kayhan.ir

رمز الخبر: 137716
تأريخ النشر : 2021September17 - 19:54

 

ايهاب زكي

منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، انتهجت "إسرائيل" نهج عرّابة وجودها بريطانيا، بالاعتماد على قاعدة "فرق تسد"، وعمليًا حاولت إسقاط الشتات اليهودي واللاتجانس "الإسرائيلي" على فلسطين وشعبها. فكما أنّ ما يسمى بـ"مواطني دولة إسرائيل"، هم عبارة عن شتات شعوبٍ ولمم أعراق، حاولت زرع الفتنة في جغرافيا الشعب الفلسطيني المتحد عرقياً وثقافياً وتاريخياً، والمتجانس مع محيطه العربي والإسلامي، فهناك فلسطينيو الضفة وفلسطينيو غزة وفلسطينيو المهجر وفلسطينيو المخيمات، وهناك فلسطينيو 48، حيث يحلو للعدو تسميتهم بـ"عرب إسرائيل"، وانساق الكثير خلف هذه التسمية الظالمة والتضليلية، وأصبح لكل "فئة" همومها ومطالبها ومصيرها وسبيلها المختلف، والذي قد يصل حدّ التناقض مع الفئة الثانية أو الثالثة، حتى الانقسام السياسي العمودي والحادّ الذي حدث ولا يزال بين حركتي فتح وحماس، تتخلله انقسامات أفقية بين مختلف الفئات، ضفة وغزة وخارج وداخل إلخ...، كذلك حدث في الانقسام الذي استجدّ داخل حركة فتح، بين جناح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وجناح النائب المفصول محمد دحلان، تخللته انقسامات فرعية على خلفيات الفئوية سابقة الذكر، والكارثة الكبرى أنّ هذه التناقضات المفتعلة، تفوقت أحياناً على التناقض الرئيسي مع الاحتلال.

وهذا بالضبط ما كان يسعى إليه العدو، وصولاً إلى مرحلةٍ يطمح إليها، حيث يصبح هو بيضة القبان بين كل تلك الفئات، أو على الأقل تتصارع الفئات على تحييده عن صراعاتها، ويصبح هو خارج الصراع. ولكن ما حدث في معركة سيف القدس، حيث العودة للمربع الأول، أنّ الفلسطيني اكتشف نفسه، من تحت ركام سنوات الاحتلال، فعرف أنّه ليس وحده في أي يؤرة، وأنّ الاحتلال هو التناقض الرئيسي والمصيري مع وجوده، وأنّ فلسطين شعب واحد وجغرافيا واحدة، من رأس الناقورة إلى النقب، ومن البحر إلى النهر، وهذا ما أصاب العدو بصدمةٍ وجودية، جعلته يكتشف أنّ البنيان الذي راكمه على مدى سبعة عقود من تفرقة، كان مجرد بيتٍ من رمال، وأنّ الفلسطينيين لن يكونوا إلّا شعباً واحداً، والأخطر أن يكونوا شعباً موحداً. ثم جاءت الأسطورة التي حققها الأسرى عبر نفق الحرية، فبدا الشعب الفلسطيني شعباً موحداً، حيث إنّ كل فلسطيني أينما كان تواجده ومهما كانت توجهاته، قد شعر أنّ الأسرى يخصّونه بشكلٍ شخصي، بعيداً عن كل انتماءٍ فصائلي أو تنظيمي، وبعيداً عن أيّ جغرافيا فئوية، وحتى بعيداً عن الموقف السياسي.

فقرر العدو استغلال إعادة القبض على أربعة أسرى من مجموع ستة، عبر تسريباتٍ أمنية لم نجد حتى اللحظة ما يؤيد صحتها، فقد حاول شرخ الوحدة الفلسطينية التي تحققت في سيف القدس، وتراكمت على إثر عملية نفق الحرية، فأنتج روايةً ركيكة عن طلب الأسرى للطعام من عائلةٍ فلسطينية في الناصرة، فقاموا بالإبلاغ عنهم لسلطات الاحتلال، ولكن على الرغم من ركاكة الرواية، إلّا أنّها في خضم ثورة الغضب، جراء خبر القبض على الأسرى، كانت قابلة للتداول. ففي لحظات الغضب تبحث الجموع عن طرفٍ تصبّ عليه جامّ الغضب، وقدم العدو هذا الطرف، طرف فلسطيني من فلسطينيي عام 48، وكذلك طرفٌ يصلح للغمز من طرفه على أوتارٍ دينية، ولكن هذه الأهداف "الإسرائيلية" فشلت، حيث إنّ الوعي الذي حفرته العملية وقبلها معركة سيف القدس، استطاع تدارك الفخ "الإسرائيلي" سريعاً، وهو ما اضطر العدو للتراجع عن روايته، وبدأ بالحديث عن قصاصي الأثر وقدراته التكنولوجية وحصانته الأمنية. لكن، بعيداً عن تراجع العدو عن روايته، وعلى افتراض أنّها صحت وكانت روايةً حقيقية، فمن الواجب أن نتعلم ما أملته هذه التجربة، حيث إنّ هناك من قد يمارس السلوك الخياني، وهذا ما يجب أن يبقى في إطاره الشخصي والفردي، ويجب أن تظل محاولات العدو لضرب هذه الوحدة قيد التفكير حين اتخاذ موقف، من كل تسريباته الإعلامية والأمنية فلا فرق.

إنّ عملية نفق الحرية ليست مجرد تفوق لإرادة الأسرى على جدران السجن وعقلية السجان، إنها تصويب على حدقة الأمن الصهيوني، فـ"إسرائيل" تبيع العالم تفوقها الأمني، وليس المطبعين العرب آخرهم. والأخطر، هو أنّ أسرى لا يمتلكون إلّا إرادتهم، استطاعوا التفوق على عقلية المنظومة الأمنية "الإسرائيلية" المعقدة. وعلى العدو أن يتصور قياساً ما يمتلكه أعداؤه من الذين لا تحيطهم جدرانه، فالعقلية التي استطاع أسرى مقيدون مراقبون اختراقها، ماذا يفعل وسيفعل بها من لا قيد ولا رقابة تحده؟ وهذا لا ينطبق على الفصائل الفلسطينية فحسب، بل على محورٍ كامل، هدفه الأسمى إزالة "إسرائيل" من الوجود.

 قد تكتشف "إسرائيل" يوماً أنّ هناك من يعبث بنخاعها الأمني من المسافة صفر دون أن تشعر، وأنّ الغضب "الإسرائيلي" البادي إعلامياً على منظومة "إسرائيل" الأمنية، ليس من نوع الغضب الناتج عن عملية "هروب"، إنّه الغضب الناتج عن تخوفٍ من القادم الذي هو أعظم قطعاً، كما إنّه تخوفٌ من وحدة الفلسطينيين مع كل حدثٍ أمني، وهو الأمر الذي سيتكرر، لأنّه لم يعد مجرد طفرة، بل أصبح هو المعتاد، لأنّه الطبيعي وهو الطبيعي فقط، وما عداه مجرد شذوذ مرحلي، وما سيتجرعه العدو خصوصاً في أيّ صفقة تبادل، سيكون أكثر مرارة وأنكى من عملية نفق الحرية، لأنّ للأمر وجهين، وجه فرض المقاومة الفلسطينية شروطها ورضوخ العدو، ووجه وحدة الشعب الفلسطيني خلف المقاومة حينها، باعتبارها خياراً وليست فصيلاً.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: