kayhan.ir

رمز الخبر: 13615
تأريخ النشر : 2015January18 - 21:09

في تركيبة الحكومة التونسية الجديدة

روعة قاسم

بعد أن سمت حركة نداء تونس الفائزة بأغلبية المقاعد في المجلس النيابي التونسي حبيب الصيد لترؤس الحكومة وذلك بالاتفاق على ما يبدو مع حركة النهضة، باعتبار أن الصيد شخصية مستقلة عملت مع الجميع (بن علي، النهضة وقائد السبسي)، بات التونسيون ينتظرون بفارغ الصبر وزراء حكومتهم الجديدة، كما ينتظرون معرفة الأحزاب التي ستشارك فيها.هل ستشارك حركة النهضة أم أن الأمر سيقتصر على الأحزاب التي ساندت قائد السبسي صراحة في الانتخابات الرئاسية ويتعلق الأمر بأحزاب من خارج البرلمان وأخرى من داخله هي الاتحاد الوطني الحر وحزب آفاق تونس وهما حزبان يمينيان ليبراليان على غرار الحزب الأغلبي.

الأنباء والبيانات القادمة من "مون بليزير” (مقر حركة النهضة) تؤكد أن الحركة الإخوانية لديها رغبة جامحة في المشاركة في الحكم وفقا لعدد المقاعد التي حصلت عليها في المجلس النيابي، ولا رغبة لها في الانضمام إلى المعارضة.كما يبدو أن الحركة غير متمسكة بتسمية وزراء متحزبين وتقبل بحقائب يعين فيها مستقلون على علاقة جيدة بالحركة ولا يعادونها صراحة شريطة أن يتم تحييد وزارات السيادة، وهو الأمر الذي كانت ترفضه قطعا حين كانت في الحكم لكن المعارضة التي باتت اليوم في الحكم أجبرتها حينها على القبول به.

حركة نداء تونس، الحزب الأغلبي، لا يبدو أن لديه الرغبة في تحييد وزارات السيادة خاصة وأن مصادر عديدة داخله تؤكد على أن هناك رغبة بمنح أمين عام الحزب الطيب البكوش حقيبة الخارجية.فالبكوش كان من المفروض أن يترأس الحكومة باعتباره أمين عام الحزب لكن ترضية الأطراف والشركاء جاءت على حسابه بعد أن ضغطت هذه الأطراف باتجاه تسمية شخصية مستقلة من خارج النداء لترأس الحكومة.

كما يبدو أن حركة نداء تونس ذاهبة باتجاه ترضية بعض نوابها ومنحهم حقائب وزارية رغم أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، رئيس الحركة السابق الذي استقال منها بمجرد تنصيبه رئيسا للبلاد، أعلن في وقت سابق عن أنه لن تتم تسمية أي نائب وزيرا في الحكوم الجديدة.لكن تململ البعض وتهديده بالاستقالة من كتلة الحركة داخل البرلمان دفع بالقائمين على الحزب الأغلبي إلى التراجع عن قرار الرئيس.

من المفترض أن أحداً لم يفاجئ بالاعتداء الانتحاري الذي استهدف منطقة جبل محسن في طرابلس وادى الى استشهاد وجرح العشرات.من المفترض ايضا أن إمكانية اتساع دائرة استهداف التكفيريين للمناطق اللبنانية من دون استثناء، حاضرة لدى الرأي العام والمسؤولين اللبنانيين.وقد لا نكون بحاجة الى معلومات استخبارية للاستدلال على ذلك.بل يكفي استحضار حقيقة ان التكفيريين يستبيحون دماء بعضهم البعض، لتكوين صورة عما سيكون عليه موقفهم وسلوكهم تجاه كل الاخرين الذين يختلفون معهم وعنهم.

وأيا كان المشترك الذي قد يتوهمه البعض معهم، حتى لو كان تحت عنوان ظرفي، إلا أن احدا لن يستطع الادعاء أن ما بينه وبينهم من تقاطعات هو أقرب مما بين التكفيريين الذين ينكلون ببعضهم ويستبيحون دماء واعراض بعضهم البعض.خاصة أن كل من راهن عليهم ودعمهم عاد ودفع أثمان مؤلمة، والباقي على الطريق.

أكدت العملية الانتحارية في منطقة جبل محسن، أن المرحلة السابقة التي مرت دون تنفيذ مثل هذا النوع من العمليات، لم يكن انكفاء طوعيا.كان التكفيريون مكرهين وعاجزين.والدليل على ذلك محاولاتهم الفاشلة وعمليات الاحباط التي نجحت الاجهزة الامنية اللبنانية والمقاومة في القيام بها.

عندما يتعلق الأمر بجهات اخرى، بما فيها المعادية، يصح اعتماد "قوالب” معينة في تفسير وتحليل ترجيح هذا الخيار أو ذاك، على بقية البدائل.لكن عندما يتعلق الأمر بالجماعات التكفيرية ينبغي اضافة معطى آخر كي يستقيم فهم خطواتهم.وهو أن قتل الاخر وتهجيره هو هدف بذاته لدى هذه الجماعات.فضلا عن كونه جزء من استراتيجية الصراع.لأن غاية هذه الجماعات ليس مجرد السيطرة وحكم الاخرين، وانما استئصالهم بهدف اقامة كيانهم النقي من الاخر، كل الاخر.ويؤصلون لذلك باعتبارات استراتيجية وفقهية.وهو أمر مذكور في أدبياتهم فضلا عن أن سلوكهم يشي به.

مع ذلك، من المتعذر فصل توقيت هذا الاعتداء الانتحاري، واختيار المنطقة المستهدفة، عن السياق الداخلي اللبناني.ومنشأ هذا الربط يعود الى أن أهم ما تلعب عليه هذه الجماعات هو انتاج وتعميق الشرخ بين أهل السنة وبقية المذاهب الاسلامية، وغير الاسلامية، لأهداف ليست خافية.وخلفية هذا الهدف تنبع من أنهم يرون في هذا الواقع ارضية خصبة لنموهم وتجذرهم أضف الى أن ذلك يوفر لهم هامش الحركة والحماية.

وبما أن محاولات التقارب والتفاهم وتنفيس الاحتقان المذهبي، والبحث عن حد أدنى من القواسم المشتركة، بما يسمح باحتواء تداعيات ما يشهده المحيط العربي، يقطع الطريق على ما يطمح اليه هؤلاء.يصح القول أن وصف هذه الخطوات بالرد العملي على الجماعات التكفيرية ليس وصفا انشائيا بل تعبير عن حقيقة وواقع.

وعلى ذلك، فإن توقيت العملية وساحة تنفيذها، يهدف - من ضمن أمور اخرى - الى استدراج ردود فعل تهدف الى ارباك واجهاض مساعي وأجواء الحوار.

ومما يعزز هذا التقديرايضا، تعمد الجمع بين مسألتين : اختيار جبل محسن، كهدف، وطرابلس كمصدر للارهابيين الانتحاريين.

واذا ما حاولنا استشراف ما جال في أذهان من قرر وخطط واعطى توجيهاته للتنفيذ، نصل بالضرورة الى أنه توقع استدراج ردود فعل غاضبة مثل ما كان يحصل خلال الجولات التي شهدتها طرابلس في المرحلة السابقة.وهو أمر يمكن للتكفيريين أن يراهنوا عليه من أجل نسف وتقويض محاولات التقارب والتفاهم بين تيار المستقبل وحزب الله، ومن خلاله مع بقية قوى 8 اذار.

مع ذلك، تبقى مؤشرات من نوع اخر، كشفت عنها هذه العملية.اذ اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن أهالي جبل محسن عضّوا على الجراح وحرصوا على اسقاط هذا المخطط، من خلال عدم الانجرار وراء الردود الغرائزية، في ذروة الغضب والالم.وهو أمر يفترض أن يكون حاضرا لدى كافة المعنيين والمسؤولين وتحديدا لدى كافة أهل طرابلس والمنطقة.

وقد يكون أهم ما انطوت عليه هذه الحادثة أنها كشفت حقيقة استشعار التكفيريين للخطر الذي بات يهددهم، بفعل مساعي التقارب بين اللبنانيين.خاصة أن الانقسامات الحادة والرهانات الفاشلة وفرت لهم في المرحلة السابقة هامشاً واسعاً من التحرك والمبادرة والشعور بالامن.

ايضا، قدَّمت هذه الحادثة مشهداً جديداً، وبعبارة أكثر موضوعية، يمكن لهذا الاعتداء أن يكون فرصة لتقديم التكفيريين في صف وخندق في مقابل بقية اللبنانيين الذين يصطفون في خندق مقابل.

مع ذلك، يحق بل ينبغي الافتراض بأن التكفيريين الذين فشلوا في تحقيق الهدف الاساسي من وراء اعتدائهم، سيعمدون الى تكرار محاولاتهم كلما استطاعوا الى ذلك سبيلا.في المقابل يمكن القول أن التهديد الذي يشكله هؤلاء بات أكثر انكشافاً من ذي قبل.حتى لدى بعض من كان لديه شبهة "مفترضة”، أو رهان عليهم.وهو ما يُفترض أنه يؤسس لخيارات وطنية تحمي لبنان وتستأصل الارهاب.

هل نحلم.أو نستغرق في الاماني..ربما.لكن بالحد الادنى نحن الان على أبواب مرحلة جديدة.

ومن المتوقع أن يتم الحفاظ على بعض وزراء حكومة التكنوقراط الحالية التي يرأسها المهدي جمعة في الحكومة القادمة حفاظا على الاستمرارية وبالنظر إلى الكفاءة التي أظهرها بعض وزراء هذه الحكومة التي نجحت في القضاء على الاحتقان ونظمت الانتخابات بنجاح ولم يترشح أعضاؤها في الانتخابات مثلما تم الاتفاق عليه في خارطة الطريق وفي طاولة الحوار الوطني الذي رعته منظمات المجتمع المدني التونسي يتقدمها الاتحاد العام التونسي للشغل.

ومن بين الوزراء الذين يتوقع أن يحتفظوا بحقائبهم وزير العدل حافظ بن صالح ووزير المالية عبد الحكيم بن حمودة ووزير الدفاع غازي الجريبي.

ويبدو أن الجبهة الشعبية المكونة من أحزاب يسارية وقومية والفائزة بالمرتبة الرابعة والتي لديها امتدادات في اتحاد الشغل والاتحاد العام لطلبة تونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات وطنية أخرى عريقة وفاعلة لن تشارك في الحكومة واختارت المعارضة وستكون معارضتها شرسة إلى أبعد الحدود باعتبارها نخبوية ومؤثرة في المنظمات المذكورة وفي الإعلام أيضا.ويتحدث كثير من الجبهويين عن حكومة يمينية قادمة تضم ليبراليين وربما إسلاميين وجب التصدي لها وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالمطالب الاجتماعية وبالشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي على تونس لمساعدتها اقتصاديا ومنها القضاء على دور الدولة في الصحة والتعليم المجانيين ورفع الدعم عن كثير من المواد الاستهلاكية وخصخصة المؤسسات العمومية وهي من مكاسب دولة الاستقلال.