معركة الأمل.. سيف القدس
ثائر أبو عياش
جاءت معركة "سيف القدس"، وهدمت الجدار، وكانت مثل الفلاح الذي يزرع الأمل فينبت نصر.
إنَّ تراكم الأحداث في الشّارع الفلسطيني على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل سلبي، وبعد فشل مشروع "السلام" في العام 1993، المعروف باتفاق "أوسلو"، والذي لم يحقق أي شيء للشعب الفلسطيني، وخصوصاً الجيل الذي ولد في تلك السنوات، والذي لم يرَ قبل "أوسلو" كل مفاصل القضية الفلسطينية منذ العام 1948 وما قبلها وما بعدها. لقد دخل هذا الجيل في حالة من الإحباط واليأس من القضية الفلسطينية، وكان حال لسانه يقول: هل من الممكن أن أتحرر؟
جاءت معركة "سيف القدس" في أيار/مايو 2021، لتعيد ترتيب الأوراق فوق الطاولة من جديد. شعر الشباب الفلسطيني بأنَّ التحرير الذي كان مستحيلاً أصبح ممكناً؛ هذا التحرير الذي قال فيه جورج حبش، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: "الثورة الفلسطينية قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن". هذه المعركة حقَّقت نبوءة المثل القائل: "بكرا بذوب المرج ويبان المرج". وفعلاً، صدقت النبوءة التي قال فيها أيضاً الشهيد جمال أبو سمهدانة: "لما تتلخبط عنا الأمور، طخوا على اليهود، كل إشي بيترتب".
قبل بدء المعركة بساعة واحدة، وجّه قائد أركان كتائب القسام محمد الضيف تحذيراً نهائياً وأخيراً للاحتلال الإسرائيلي ما لم يتوقّف عن استفزازاته، وأمهله لسحب المستوطنين الذين يتجهّزون بالآلاف لاقتحام المسجد الأقصى، وأشار أيضاً إلى قضية الشيخ جراح، محذراً كذلك من تهجيره أهالي الحيّ.
لكنّ تقديرات الاحتلال كانت بعكس المتوقع، فقد كانت "إسرائيل" ترى أنَّ المقاومة غير معنية بالتصعيد، وربما هي تصريحات إعلامية، ولكن ما ثبت هو عكس ذلك. كانت صدمة لم يستوعبها الاحتلال أو الشارع الفلسطيني. كان الجميع ينتظر الساعة السادسة مساءً. وفعلاً، بدأت رشقات الصواريخ تضرب القدس المحتلة. ومن هناك بدأت "معركة الأمل" التي كان لها اسم آخر هو "معركة الوعي"، وهو الاسم الذي أطلقته عليها قناة "الميادين".
لماذا "معركة الأمل"؟ في مقاله "الجدار الحديدي"، والَّذي يتبناه اليمين الإسرائيلي في سياسته، يقول جابوتنسكي، أحد مؤسسي "الدّولة" الصهيونية: "ما دام لدى الفلسطينيين بصيص أمل بالتخلّص منا، فلن يقايضوا أملهم هذا مقابل بضع كلمات حلوة أو مقابل شريحة خبز مغذّية مدهونة بالزبدة". ويؤكّد في مقالته أنَّ "هذا الشعب يقدّم تنازلات في مثل هذه القضايا المصيرية والعظيمة عندما ينعدم الأمل، وعندما لا يظهر للعيان أي شق في الجدار الحديدي".
جاءت معركة "سيف القدس"، وهدمت الجدار، وكانت مثل الفلاح الذي يزرع الأمل فينبت نصر. هدمت هذه المعركة حالة الإحباط واليأس بالشارع الفلسطيني، وعادت بالقضية إلى مسارها الصحيح بالكفاح المسلّح، وأكدت وحدة الشعب الفلسطيني؛ هذه الوحدة التي تتحقق فقط بالمقاومة وأهدافها المشتركة، فقد توحدت كل أجزاء فلسطين التاريخية، وتوحد الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده: الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وفلسطين 1948 والشتات والعالم، هذه الوحدة التي شكّلت عائقاً أمام الاحتلال الاسرائيلي منذ قيام دولته المزعومة في العام 1948 التي بنيت على قاعدة "فرق تسد".
كشفت هذه المعركة فشل مشاريع التسوية مع هذا الاحتلال من اتفاقية فيصل - وايزمان في العام 1919 حتى اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية، سواء القديمة أو الجديدة، وعلى رأسها "أوسلو". وبقوة السلاح، عادت القضية الفلسطينية لتفرض نفسها عالمياً، وخصوصاً في أروقة السياسة الأميركية.
ودلَّت هذه المعركة أيضاً، وهذا هو الأهم، على ثقة الشعب الفلسطيني بالمقاومة الَّتي تحميه وتحمي مقدساته وأحلامه وأهدافه، وفتّت كلّ ذرة يأس في هذا الشارع، وأدخلت الفرحة إلى كلّ بيت فلسطيني، ودلت على مدى تطور المقاومة وقدرتها على أن تبدأ من حيث انتهت المعركة الأخيرة.
لنعُد بالذاكرة قليلاً إلى الخلف. في العاشر من تموز/يونيو 1981، بدأت معركة بين الثورة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان. عرفت هذه المعركة بـ"حرب المدفعية"، وهي تحتاج هذه إلى مقال آخر للحديث عنها، ولكنَّ هذه المعركة كانت فاصلة في الصراع العربي الإسرائيلي. وقد استجدى مناحيم بيغين العالم، وعلى رأسها أميركا، لوقف إطلاق النار.
فعلاً، اتخذ قرار صهيوني منفرد بوقف إطلاق النار، دلّ آنذاك على هزيمة الاحتلال. وفي معركة "سيف القدس"، كان قرار وقف إطلاق النار المتبادل، وبلا شروط. ويعدّ لجوء الاحتلال الصهيوني وأميركا إلى الوسطاء الدوليين دليلاً واضحاً على هزيمة هذا الاحتلال.
وقد دلَّ هذا القرار على أنّ المقاومة أصبحت لديها القدرة على أن تبدأ الحرب، وعلى أن تفرض شروطها، وأن الاحتلال هو الذي عليه أن يستجدي العالم لوقف النار، لا نحن، وهو نصر جديد للمقاومة.
لقد أثبتت معركة "سيف القدس" أنَّ الاحتلال هو الذي يعيش معركة كيّ الوعي، لا الشعب الفلسطيني، وأن المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتلّ 1948 أثبت أنه ما زال يحمل فلسطين في وعيه، على الرغم من محاولة أسرلته وﺻﻬﻴـﻨـﺘﻪ وإدخاله في صندوق الجريمة؛ هذا الصندوق الذي يحتاج إلى مقالات وأبحاث وكتب لدراسته للنبش فيه.
وأثبتت هذا المعركة أنّ الأجيال الفلسطينية لا تزال تحمل فلسطين في وعيها، وأكدت هذه الأجيال بنزولها إلى الشوارع أنَّ من يمثلها هو المقاومة. وفعلاً انتخبت البندقية ممثلاً لها.