kayhan.ir

رمز الخبر: 13420
تأريخ النشر : 2015January14 - 21:44

هذا ما جنته اوروبا على نفسها وعلينا

سركيس ابو زيد

الإرهاب مجدداً يضرب أوروبا، وهذه المرة العاصمة الفرنسية "باريس”. منذ أشهر ، تقرع نواقيس الخطر وتحذر من استفحال ظاهرة المتطرفين الفرنسيين الذين يغادرون إلى سوريا والعراق. وبحسب وزير الداخلية الفرنسي فإن أعداد هؤلاء تضاعفت في العام 2014، ليتخطى سقف الألف متطرف 20 % منهم اعتنقوا الإسلام حديثاً.

بروز الإسلام المتطرف الذي شكلت "داعش” ذروته ، تواكب مع بروز تيارات معادية للغرب وأخرى تعرف بمايُسمى "الإسلامو فوبيا”، بالإضافة الى حركات مناهضة للمسلمين منها كردة فعل على ممارسات "داعش” ومنها كتعبير عن عنصرية متعشعشة في الغرب.

ألمانيا التي تعد ثاني أكبر بلد يقصده المهاجرون من أنحاء العالم تشهد تنامياً سريعاً لتيار معاداة المسلمين، حيث خرج مواطنون من كل التوجهات السياسية في تظاهرات جنباً إلى جنب مع يمينيين متطرفين لمواجهة ما يعتبرونه أسلمة الغرب.

فقد تجمع مؤخرا أكثر من 18 ألف شخص من مؤيدي الحركة الاحتجاجية "أوروبيون وطنيون مناهضون لأسلمة الغرب” التي تعرف اختصاراً بإسم” بيغيدا "في مدينة درسدن الألمانية، حيث يصف المحتجون أنفسهم بأنهم وطنيون يدافعون عن القيم والتقاليد المسيحية. ويرفض أعضاء الحركة سياسة ألمانيا تجاه المهاجرين إليها ويطالبون بفرض المزيد من القيود على الهجرة.

وأدى هذا إلى ظهور مجموعات على صفحات الفيس بوك تناهض أسلمة أوروبا، كمجموعة "بيغيدا”(الوطنيون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب)، التي وجهت دعوات عبر الإنترنت ومناشير ورسائل الهاتف، للتنديد بما يسمى "أسلمة أوروبا”، كما نشر بعض أتباع هؤلاء على الفيس بوك شعارات عنصرية ودينية متطرفة، منها:: "نحن الشعب وليس هؤلاء”، "اطردوا هؤلاء المجرمين إلى بلدانهم”، "أعيدوا لنا وطننا الأم”. وكان اتساع رقعة التأييد لأفكار "بيغيدا”، قد دفع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى التنديد بهذه الحركة، داعية الألمان إلى رفض المشاركة في هذا النوع من التظاهرات التي بحسب ميركل، "تحض على الكراهية .

ليست هذه المشاعر وقفا على ألمانيا وحدها. ففرنسا التي تضم كبرى الجاليات المسلمة في أوروبا، شهدت إقبالاً استثنائيا على كتاب الصحافي إريك زيمور "الانتحار الفرنسي "الذي يتناول شعور الفرنسيين بالإحباط إزاء أوضاع بلادهم "بحجة وجود شعب في قلب شعب آخر”.

وفي حديث إذاعي أحدث ضجة كبيرة في فرنسا، حذر هذا الصحافي من أن "هذا الوضع سيقودنا إلى الفوضى والحرب الأهلية”، معتبراً أن الحل هو ترحيل خمسة ملايين فرنسي مسلم ووضعهم على البواخر وطردهم، وثمة من سينافس زيمور مطلع السنة الجديدة. فالكاتب الفرنسي الشهير ميشال ويلبيك المعروف أصلا بمواقفه ضد الإسلام، يستعد لإصدار رواية تدور أحداثها سنة 2022، ويتخيل فيها فوز مسلم بالرئاسة الفرنسية على حساب زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، وفرضه تعدد الزوجات وأسلمة البرامج التربوية.

الهجوم الإرهابي الذي حدث وسط العاصمة "باريس” وصف بإنه "11 أيلول” الفرنسي، وستحتاج فرنسا لوقت ليس بالقصير للخروج من الصدمة، وسينقلب فيها المشهد رأسا على عقب حيث ستختلط السياسة الأمنية المتشددة من الآن فصاعداً مع جدل سياسي واجتماعي في ظل صعود التطرف و”الإسلاموفوبيا”. خاصة وان فرنسا سبق وشهدت احداث امنية متفرقة إرهابية وعنصرية.

يرى مراقبون أن هذا الهجوم ليس عملاً فردياً، وإنما مخطط له من قبل جهة متطرفة وينطوي على رسائل أمنية وسياسية، فلايخفى على أحد الدور الفرنسي في مالي وشمال إفريقيا إلى العراق وسوريا، يضاف إليه حالة "داعش” ودورها في التعبئة والتحريض والحض على شن هجمات ضد "الصليبيين” أينما وجدوا خصوصا في البلدان التي انضمت إلى التحالف الدولي.

هذه الحادثة زادت الانتقاد للحكومة والسلطات الفرنسية وتحميلها مسؤولية الإخفاق و”التقصير والتراخي”. فلم يقتصر الأمر على عدم اكتشاف مسبق لهذه المجموعة وإنما على عدم مطاردتها وعدم التوصل إليها بعد تنفيذ مجزرة جماعية في وسط باريس وفي وضح النهار... وهذا بدوره سيؤدي إلى خطر وقوع اعتداءات وردود فعل ضد المسلمين في فرنسا على غرار ما شهدته الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول.

ما حدث يعزز "رهاب الإسلام” و”الإسلاموفوبيا” ليس في فرنسا فقط وإنما في كل أوروبا التي لم تتأخر في التنديد والتضامن مع باريس وفي رفع درجة الاستنفار والتأهب الأمني وتعاطي كل دولة مع الهجوم كما لو أنه وقع على أرضها واستهدفها.

والذي حدث في باريس ولد وجود اتجاهين متعارضين مع بعضهما،خطر وقوع عمليات إرهابية من إسلاميين متطرفين متأثرين بدعاية "داعش”، وخطر وقوع اعتداءات ضد المسلمين مع تصاعد أصوات يمينية متطرفة ضد المسلمين خاصة ان شعار "اقتلوا كل المسلمين” بات من أكثر الشعارات ترويجا على "تويتر” في بريطانيا.

هذه الحركات في الشارع يقابلها ارتباك وحذر لدى السلطات والحكومات الحائرة في كيفية التعاطي مع هذا الخطر الداخلي المستجد، وهل يكون الرد عليه بالانخراط اكثر واكثر في هجماتها ضد "داعش” في سوريا والعراق، أم يكون باحتواء التوترات المذهبية وتجفيف مصادر هذا التطرف عبر إيجاد حلول لمشاكل الشرق الأوسط؟ والسؤال هنا: أي من الخيارين ستختار الحكومات الأوروبية لتخرج بأقل الخسائر وتحمي بيتها الداخلي من الإنزلاق في نفق الفتن المذهبية المظلم الذي إن بدأ، لايعرف أحد متى سينتهي؟؟

هل تعيد حكومات أوروبا النظر بسياساتها المنحازة الى بؤر التوتر في المشرق لاسيما دعمها للارهاب الصهيوني والإرهاب التكفيري في سوريا والعراق؟ السياسات الاوروبية تجاه مجتمعاتها وتجاه عالمنا أدت الى عولمة الرعب ولا خلاص الا باستراتجية جديدة ضد العنصرية والاستكبار في الغرب وضد الإرهاب الصهيوني التكفيري في الشرق.