الحوار المسيحي: بين واقعية الأهداف و”تكبير الحجر”
حمزة الخنسا
تتواصل التحضيرات لعقد لقاء قمة بين رئيس "التيّار الوطني الحر” العماد ميشال عون، ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية” سمير جعجع.اللقاء المرتقب سيتوّج العديد من الجلسات بين "العونيين” و”القواتيين” في سبيل إطلاق حوار مسيحي - مسيحي، يأمل المشتغلون على خطه أن يضع حدّاً للخصام - العداوة القائمة بين الطرفين منذ أكثر من 30 عاماً.وفيما توضع اللمسات الأخيرة على سكّة الحوار المنتظر، لم تنتهِ التساؤلات حول أفقه وخلاصاته المأمولة، بل وحول أسس منطلقاته لدى الطرفين المعنيَّين.
يؤكد طرفا العلاقة أن الحوار بينهما حاجة وطنية.غير أن منظار هذه الحاجة يختلف وفقاً لزاوية الرؤية عند كل منهما.يرى العونيون أن التقارب مع "القوات” ووضع حدّ للخلاف المنفلت معها يصب في خانة التهدئة التي تشهدها البلاد أولاً، والحاجة لإعادة تثبيت الصفّ المسيحي ثانية.لا يضع العونيون الحوار المرتقب في خانة المجاملات أو "الغيرة” من حوار مماثل انطلق قبل مدة بين "تيّار المستقبل” وحزب الله.يرونه ضرورة تهدف الى تنظيم العلاقة المسيحية - المسيحية، وبالتالي تقوية الأوراق في ملف إدارة البلاد مع الشريك المسلم في البلاد.
وانطلاقاً من هذه الأهداف، ينفي العونيون الحديث الدائر عن شروط وشروط مضادة في سياق التحضير للقاء عون - جعجع، والذي يؤكدون أنه بات قريباً مع إعلان الزعيمين إستعدادهما له، على أن الإتفاق على مكانه وزمانه يبقيا أبرز عوامل تأخيره الى اللحظة.
في المقابل، يدخل القواتيون الحوار وفي خلفية تفكيرهم ملف رئاسة الجمهورية.الفراغ الرئاسي هو شغل القواتيين الشاغل.وعليه، ينظرون الى الحوار مع العماد عون، المرشح القوي والعنيد، على أنه باب يمكن من خلاله الولوج الى حل للملف العالق منذ ما يزيد على السبعة أشهر.
في خلفية تفكير جعجع أيضاً، الحوار الدائر بين "المستقبل” وحزب الله.كان الرجُل حتى الأمس القريب يمارس أعتى أنواع التعنّت في وجه "التيّار الوطني الحر”.كان الإعلام المحسوب عليه يشن الحملات القاسية على التيّار البرتقالي ورجالاته وصحفييه.استمد جعجع، على الدوام، مبرّر تعنّته، من الهجمة "الزرقاء” على كل ما يمتّ لحزب الله بصلة.إنْ في ما يتعلّق بالملفات الداخلية، أو على خلفية مشاركة الحزب في القتال بسوريا.
كان جعجع يدير الأذن الصمّاء لأي نداء حوار يطلقه غريمه التقليدي ميشال عون.فَعَلَ بالتمام كما كان يفعل الرئيس سعد الحريري، حيال دعوات الحوار والتلاقي التي كان يطلقها حزب الله على الدوام.أما اليوم، ومع استجابة "المستقبل” للحوار - بصرف النظر عن دوافع تلك الإستجابة - لم يعد بإمكان "القوات” لعب لعبة المزايدة والمواجهة منفردة.صار لزاماً عليها مجاراة موجة الحوار التي انحنى أمامها حليفها الأساسي.
المهم أن نهج الحوار قد سُلك.لكن، يبقى الأهم أن يكون الحوار بنّاءً وأن يخرج بنتائج ملموسة، لا أن يجري على قاعدة "الجمل بنيّة والجمّال بنيّة”.هنا بيت القصيد، إذ لم يخرج المشتغلون على خط الحوار المسيحي - المسيحي الى دائرة التفاؤل خلال حديثهم عن التوقعات المرتقبة.على الرغم من خطوة حُسن النوايا التي تمثّلت بالإسقاط المتبادل للدعاوى القضائية على إعلاميي وصحفيي الطرفين، إلا أن الأمر لا يعدو كونه خطوة في رحلة الألف ميل.
العونيون يتحدّثون من منظار محدد، محوره الرغبة في تنظيم العلاقة المسيحية - المسيحية، ومحاولة الوصول إلى قاعدة عمل مشترك لإدارة أي خلاف أو حتى تفاهم، يقود الى تقوية فعالية الحضور المسيحي في الدولة ومؤسساتها.وبالتالي، إنتاج القدرة على أن يكون الرأي المسيحي هو الأول في ملف انتخاب رئيس الجمهورية.
أما القواتيون فتتلمّس من حديثهم "النَيشَنَة” على أهداف "كبرى” مثل إعادة بناء الجمهورية، وإعادة هيكلة الدولة.يعوّلون على نتائج اللقاء المرتقب بين جعجع وعون، ومن بعده فإن لكل حادث حديث.التركيز القواتي على اللقاء مرده محاولة استنتاج نوايا رأس الهرم العوني حيال ملفات كثيرة أبرزها ملف رئاسة الجمهورية، وما إذا كان الجنرال مستعدّاً للبحث في مسألة تسهيل عملية الإنتخاب.طبعاً، فإن تسهيل عملية الإنتخاب بالنسبة للقواتيين تعني: التفكير الجدي بمرشح توافقي غير "الإثنين الكبار” عون وجعجع.هذا بالضبط ما لا ينوي العونيون نقاشه خلال الحوار مع القوات أو مع غيرها.