أسعار النفط تحرق أيدي اللاعبين
يبدو أن المحور الأميركي - السعودي قد اتخذ قرارًا باستخدام النفط كسلاح في مواجهة المحور المناهض للاستكبار العالمي..الانخفاض غير المنطقي وغير العلمي لسعر البرميل دليل علي ذلك. إلا أن اللعب بالنفط عملية غير مضمونة النتائج فقد بدأت نار الأسعار تحرق أصابع المتلاعبين بها.
ليست المرة الأولي التي يستخدم فيها هذا السلاح. في العام 1973 وأثناء حرب تشرين بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوني، اتخذت الدول العربية المنتجة للنفط قرارا بوقف ضخه إلي الغرب ما أدي إلي ارتفاع الأسعار أربعة أضعاف. لم تمر الحادثة مرور الكرام. استنفرت القوي الغربية يومها سياسيا واقتصاديا. من جهة أنشأت هذه الدول نادي باريس الذي اتخذ قرارا بإنشاء احتياطي استراتيجي من النفط يكون كفيلا بعدم ارتهان الدول الغربية للدول المنتجة، ومن جهة أخري حصلت ضغوطات كبيرة علي الدول العربية النفطية وعلي رأسها السعودية لإخراج النفط من معادلة الصراع العربي الصهيوني..
وهكذا كان..لا تملك السعودية بطبيعة الحال ترف الاعتراض علي مثل هكذا قرار. فقد تركزت دعائم الكيان السعودي علي مقايضة شهيرة حصلت في العام 1945 بين الرئيس الأميركي آنذاك روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود..الصفقة قوامها ضمان تدفق النفط من قبل الرياض مقابل تكفل واشنطن بحماية المملكة والسهر علي أمنها.
ما جري في العام 1973 كان استثناء. ولعبة اليوم التي سببت انخفاض الأسعار تأتي في السياق الطبيعي لقواعد لعبة تديرها الولايات المتحدة الأميركية بدقة وتنفذها المملكة السعودية بأمانة.
خلفية القرار الأخير بعدم خفض بعض دول أوبك لإنتاجها بحجة "ضمان أسعار عادلة للمنتجين والمستهلكين”، تكمن في رغبة أميركية بمعاقبة دول تعتبرها واشنطن غير منضبطة ضمن سياساتها ومصرة علي سيادتها. علي رأس هذه الدول الجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا.
الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي يؤكد هذا البعد السياسي..واشنطن من وجهة نظره و”بسبب أحاديتها الظالمة درجت علي معاقبة الدول التي لا تتفق معها في السياسة والتوجه”.
يشكك يشوعي بكل شعارات الحرية وحقوق الإنسان التي ترفعها واشنطن.."كل هذا الكلام لا قيمة له أمام ارتكابها للحروب والمجازر والعنف في العالم”. يقول يشوعي "إن عدم الاستقرار الحاصل في العالم هذه الأيام لم نشهده حتي في ظل الحرب الباردة ".
أما عن الآثار الاقتصادية لهذه الإجراءات فيقلل يشوعي من فعاليتها علي روسيا كما علي إيران.
"فالجمهورية الإسلامية الإيرانية لديها صادرات نفطية محدودة لا تتخطي المليون برميل أما روسيا فمخزونها ضخم ولن يتأثر”.
علي العكس من ذلك يتحدث يشوعي عن "أن الرياض تخسر يوميا بين ال400 و500 مليون دولار. أيضا الشركات الأميركية النفطية بدأت تصرخ والشركات البريطانية وخاصة التي تعمل في بحر الشمال بدأت تخسر لأن النفط البحري أكثر كلفة من النفط المستخرج من اليابسة”.
أما اقتصاديا فيبدو أن القرار غير منطقي وبالتالي غير قابل للحياة. يشير يشوعي إلي "أن السعر الحالي لا يمكن أن يستمر”. يفسر الخبير الاقتصادي هذا المعطي بلغة اقتصادية علمية. فالنفط "سلعة نادرة”. لا شك أن يشوعي محق فكل الدراسات تتوقع أن ينضب النفط في العام 2060. سيسجل التاريخ أن حضارة النفط لن تدوم أكثر من مئتي عام ( من 1860 إلي 2060)..يلفت يشوعي إلي أن "السلع النادرة تتضمن سعر الندرة إضافة إلي سعر السوق”. السعر الحالي إذن مرحلي وسرعان ما سيعود للارتفاع ابتداءً من الربيع.
لا يلغي يشوعي تماما العوامل الاقتصادية التي سببت انخفاض الأسعار. العرض يفوق الطلب لعدة أسباب منها: "عودة العراق وليبيا إلي ضخ إنتاجهما في السوق، هناك أيضا النفط الصخري بمعدل خمسة ملايين برميل يوميا وتباطؤ الحركة الاقتصادية في الدول الآسيوية التي خفضت طلبها. بالمقابل رفضت بعض دول "أوبك” وعلي رأسها السعودية تخفيض إنتاجها من اجل حشر شركات النفط الصخري التي لا يناسبها السعر المنخفض”. يؤكد يشوعي أن سعراً اقل من 60 دولار للبرميل يعني خسارة لشركات النفط الصخري”..
إنها مرحلة عض أصابع إذن بين المحورين..بانتظار من سيصرخ أولاً. برأي يشوعي لكن "الصراخ بدأ يخرج من ناحية المحور الأميركي”..واشنطن والرياض لن تتحملا الأسعار المنخفضة..ميزانية السعودية وضعت علي أساس سعر لا ينخفض عن الـ60 دولار للبرميل. أما الشركات النفطية الأميركية بشقيها التقليدي والصخري فقد بدأت تعلن عن خسائرها. الوضع اقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية لا يسمح بخسائر لدي شركاتها النفطية.
يذهب البعض إلي التحذير من إمكانية أن تؤدي هذه الإجراءات إلي تفكيك منظمة أوبك نفسها. يبدو أداء المنظمة التي تؤمن 40% من الإنتاج العالمي (الحاجة العالمية في حدود ال90 مليون برميل يوميا) مربكا. تنفرد دول بقرارات لا تناسب بقية الأعضاء. القرار الأخير مثال واضح وجديد. لا مؤشرات قوية حتي الآن تعزز هذا الاتجاه. هي مجرد تحليلات وتكهنات. إلا أن الثابت أن العالم كله سيتأثر بهذا الوضع النفطي. كل دولة علي طريقتها وحسب ظروفها. لبنان احد هذه الدول. يعتمد البلد الصغير علي تسعيرة رسمية للنفط وهذا يعني أن أسعار المشتقات النفطية ستنخفض تلقائيا ما سينعكس كلفة الإنتاج خاصة في قطاعي الصناعة والكهرباء. سيفتح هذا الأمر المجال لنسب نمو أفضل وعجز اقل في المالية العامة. أما الجانب السلبي فيتمثل بإمكانية تراجع حجم تحويلات المغتربين العاملين في دول الخليج الفارسي النفطية. التحويلات هذه توازي 20% من الناتج الإجمالي.
ارنا
الدرع السعودية تتشقّق
د.وفيق ابراهيم
ليس من قبيل المصادفة أن يجري تشبيه مملكة آل سعود بسلحفاة مدرّعةٍ، فهي مثلها بطيئة، لكنها محمية بدرع لا تنكسر إلا حين تتشقّق.والمصادفة الأخرى أنّ أقدم سلفٍ معروف لآل سعود كان يُكنّى بأبي درع.وبلدتهم الأولى في هضبة نجد أسموها الدرعية أيضاً، تيمُّناً بها.
هذه معلومات قد لا تضيف إلى السؤال السياسي، وهو: هل بدأ أوان تشقّق الدرع السعودية؟
لذلك يتوجب بداية تحديد مصادر القوة التي يتمتع بها آل سعود للحكم على متانة مملكتهم.وللتذكير فإنّ هذه المملكة كيان سياسي ناشئ تأسّس في ثلاثينات القرن الفائت بعد عدة محاولات خائبة لأسلافهم في القرن التاسع عشر.
أولاً، القوة الاقتصادية: فالمملكة أكبر مصدر للنفط في العالم تبيع 9.7 مليون برميل يومياً، وهي على استعداد لرفع الكمية إلى مستويات قياسية لأنها البلد الأول في احتياطاته، وتزيد إيرادات المملكة منه عن 300 مليار دولار سنوياً، وقد تدنّت بنسبة 60 في المئة بعد انخفاض الأسعار.ولدى المملكة أيضاً مناطق واسعة جداً لم تُكتشف بعد ويُرجَّح أنها تحتوي على مختلف مصادر الطاقة والمعادن.إنّ السعودية رهينة الريع النفطي بمعدل يفوق التسعين في المئة من موازناتها، وقد كوّن آل سعود فائضاً أودعوه مصارف أميركا وأوروبا ويفوق الثلاثة آلاف مليار دولار وربما أكثر.
ثانياً، القوة الدينية: تضمّ السعودية الحرمين الشريفين والمدينة المنوّرة ومواقع الصحابة والأولياء والشعراء الجاهليين ومختلف المراحل الإسلامية ومعظم التراث الإسلامي، ما يمنحها سلطات كبرى، أقلها الإشراف على تنظيم موسم الحج.وقد منحها هذا الوضع علاقات واسعة بالعالم الإسلامي، فاخترقت وأسّست علاقات هائلة مع المدارس والجمعيات الدينية والمساجد والمذاهب الكبرى، وأصبح لها الكلمة الفصل في تحريكها والاستناد إليها في نفوذها.
وهنا تستعمل الرياض مرجعيتها الدينية للتقريب ونفوذها المادي للإقناع.وينبغي لفت الانتباه إلى أنّ القوة الدينية أقوى من القوة الاقتصادية عند آل سعود.
ثالثاً، القوة الأمنية: لدى المملكة قوى عسكرية وأمنية لها مهمّات حصرية داخلية، تكفي للتعامل مع الاضطرابات الداخلية مهما بدت قوية، يُضاف إليها جهاز "المطاوعة” المسؤول عن تطبيق نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما يشبه دور شرطة أخلاق إسلامية.
رابعاً، العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تربطها بالسعودية معاهدة كوينسي التي عقدها عبد العزيز مع الرئيس الأميركي روزفلت على متن طرّاده كوينسي عام 1945، وكانت صالحة لغاية 2005 وجرى تجديدها للعام 2065.وتنصّ المعاهدة على أن تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بحماية أمن السعودية، مقابل أن تتعهد الأخيرة باستمرار تدفّق النفط إلى العالم الغربي.ولم تتوقف مفاعيل هذه المعاهدة عن العمل منذ تأسيسها دقيقة واحدة.
خامساً، التحالفات الدولية والإقليمية والعربية: في هذا الإطار، ترتبط الرياض بتحالفات أقلّ شأناً من تحالفها مع الأميركيين، لكنها تعوّل على النفوذ الفرنسي - البريطاني والألماني ولها علاقات جيدة مع كلّ دول الجوار، باستثناء العراق واليمن وإيران.
أمام هذا العرض، ما الذي يخيف السعودية ويسبب لها أرقاً؟ هناك عدة ملفات، أولها الملف النووي الإيراني الذي كاد يخرج من القمقم لولا الصراخ السعودي المدعوم من "إسرائيل” واللوبي السعودي القوي في مجلسي الشيوخ والبرلمان في آنٍ معاً.لذلك تجد واشنطن نفسها في وضع لا تُحسد عليه، فهناك عرض إيراني فعلي يثبت عدم امتلاك طهران أي إمكانات نووية، ووكالة الطاقة النووية متأكدة من هذا الموضوع، لكنّ عدم الوصول إلى اتفاق كامل بين دول الخمسة زائد واحد مع إيران، يجعلنا نقرأ دوراً سعودياً و”إسرائيلياً” يفرض على أميركا الحذر في هذا الموضوع، لكن إلى متى؟
إنّ إيران حاجة أميركية لإعادة تموضع قواتها في بحر الصين.قد يبدو الأمر غريباً، لكنّ الحقيقة هي أنّ طهران خليفة الصين، ويؤدي تكتل روسيا معهما إلى ولادة المحور الأقوى في العالم، وهو ما تحاول واشنطن منعه.
وبالعودة إلى التدبُّر السعودي الذي يندرج في إطار نظام "المعاملات”، قدمت السعودية نفسها في مرحلة التأسيس، "دولة وهّابية” مضطرة لإحداث تعديلات، مراعاة للعلاقات الديبلوماسية مع الغرب، وتصدّت لغلاة الوهابية بالعنف تارةً وبالمال طوراً، حتى طوّعتهم وجابهت صعود الخط القومي مع عبد الناصر و”البعث” برفع شعار "الأمة الإسلامية”، ولم يهنأ لها بال إلا بعد هزيمة عبد الناصر في 1967، وقد اقتصرت الكلفة على أضرار مالية فقط، بالإمكان استعادتها مع كلّ قفزة للذهب الأسود.
ورفعت السعودية شعار الجهاديات الإسلامية في وجه الاحتلال السوفياتي لأفغانستان ودعمتها بالمال والتدريب والسلاح إلى أن سقط الاتحاد السوفياتي وانهارت دولته.إنها لعنة "الإسلام”!
تشقق بعدة عوامل أولها تأثير دول الجوار عليه، فالعراق يُعاد تجميعه على نحو لن يرضي آل سعود، ولو أعيد تجميعه في الرياض لن يختلف عن الموجود حالياً.والمشكلة عند السعوديين هي أنّ الشيعة يشكلون 65 المئة من سكان العراق و75 في المئة من العرب فيه، وأي معادلة لن تكون سارية إلا إذا أرضتهم.
أما اليمن، فهو جار مزعج آخر لم تنفع تدخلات الاستخبارات السعودية في إلحاقه بالرياض، ولن تعارض حتى طهران تقسيمه إلى دولتين هما صديقتان لها في الشمال والجنوب.
وفي ما يخصّ البحرين، تحتاج السعودية إلى نشر قواتها في الجزيرة وقوى أصدقائها الأردنيين والإماراتيين والقواعد الأميركية والبريطانية لتحميه، لذلك يزداد القلق السعودي على أوضاع هذا البلد.
أما الكويت وعُمان، فهما يتجهان إلى إقامة علاقات ديبلوماسية مع سورية، مع ما يعنيه ذلك من سقوط سياسة العزل السعودية.
إنّ تراجع التدخل العسكري الأميركي المباشر في العالم والاستعانة ببدائل إقليمية، يصيب آل سعود بالذعر، لذلك يريدون تأكيداً على استمرار معاملتهم بموجب معاهدة "كوينسي”.
ولا يجب إغفال حركات التمرد في الداخل السعودي، ومدى اختراق "داعش” و”النصرة” والقاعدة لمناطقه.من جهة أخرى، تتوهم السعودية أنّ إيران تتحين الفرصة لاجتياحها، لذلك تنبِّه يومياً، إلى أخطارها وتدعو دول العالم إلى الاهتمام بها.
يبقى أنّ الداخل السعودي الذي أصبح متصلاً بثورة المعلومات والتواصل، يريد حركة تغيير قد تُنهي هذه المملكة القرون أوسطية، لكي يذهب الطغاة ولا يبقى إلا أصحاب المصلحة الحقيقية في تحرير السعودية من هيمنة القرون الوسطى والعصر المملوكي ونظام الحرابة.
من عبث بثقافة الآخر نحن أم الغرب؟
ناصر قنديل
يترافق الحديث عن تعامل الغرب مع الإرهاب وتعامل الشارعين الغربي والعربي مع تفاعلات عاطفية وانفعالية تعكس منظومة ثقافة وقيم، تخرجها الأزمات عادة في مثل الأحداث الدرامية التي تمثلها حوادث القتل والعنف والإرهاب.
هناك من قالوا في وصف ما تعرّضت له باريس من هجوم إرهابي "دواعش باريس يتقاتلون”، وانطلقوا من طبيعة الصحيفة المستهدفة وطبيعة مقالات كتابها التي تتسم بالعنصرية والعدائية والتحريض على التطهير العرقي بحق العرب والمسلمين ومقابلهم من قذفتهم هذه الثقافة الإقصائية والعنصرية من مسلمي فرنسا وأوروبا إلى الفكر المتطرف واعتناقهم الإرهاب، وهم ليسوا كما صوّرتهم الديبلوماسية الفرنسية والغربية مجرّد مساندين لثورة رأوها مظلومة في سورية، بل ثورتهم الفعلية جاءت رداً على عنصرية يتعرّضون لها في فرنسا، وبعدما تدرّبوا وتمرّنوا على القتل المحترف برعاية حكومتهم في مهمة ارتضوها موقتاً في سورية، عادوا إلى المهمة الأصلية وهي "تأديب من يجب تأديبه” في عرفهم... وهذه هي حربهم الحقيقية التي لن تتوقف، والحرب ستكون هناك بين إرهابيْن، إرهاب يستجمع السكان البيض، وإرهاب سينظم السمر الغاضبين، وستكون شوارع باريس مسرح حرب أهلية، أرادها هنري برنار ليفي لمئة عام بين السنة والشيعة عبر قيادة وإلهام واستلهام "الربيع العربي”، وإذ هي تنتقل إلى حيث المصنع الأصلي لغرابة العيش المشترك والاعتراف العميق بالتشارك في الوطن والدولة والمواطنة بين أبناء ديانات مختلفة وألوان بشرات مختلفة، وهو عيش اعتاد عليه سكان شرق المتوسط الأصليون وتشكلت منه هويتهم، ولا يزال غريباً على الغرب، على رغم عراقة اعتناقه العلمانية وإعلائه شأن دولة القانون، ولا يشبه الغرب في هذا الاستغراب إلا دول الشرق الأحادية اللون الديني أو التي عانت من استعمار بلون ديني كحال السعودية في ضفة والجزائر في ضفة مقابلة، وهذا ما يفسّر انتماء أغلب الانتحاريين إلى مسلمي أوروبا والسعودية والجزائر ومثلها بلاد المغرب العربي عموماً.
هناك من قالوا إنّ "طابخ السم آكله”، وهم يشيرون إلى الدور الذي لعبته حكومات الغرب بخبث في استجلاب الإرهاب إلى سورية أملاً بالتخلص من نظام الحكم فيها وإبقاء هذا الإرهاب تحت السيطرة، وكانت النتيجة فشلاً مريعاً، فلم يسقط النظام في سورية، وخرج الإرهاب من تحت السيطرة، ومعادلة "طابخ السم آكله” هنا ليست معادلة تقنية، أيّ أنّ هذا الوحش الذي جلبتموه لقتل سواكم يرتدّ لقتلكم وحسب، بل هي معادلة أبعد مدى في فهم الكيفية التي يتقاطر وينتظم فيها هؤلاء الإرهابيون الذين غابت معادلاتهم عن عقول من قرّروا استخدامهم، ومن المفيد الاقتباس من كلام للأمير مقرن بن عبد العزيز في وصف هؤلاء، بقوله: ليس مصدر الخطر هو ما نسمّيه بالخلايا النائمة، التي يقرّر قادة التنظيمات الإرهابية دعوتها في توقيت محدّد للتحرك والصحوة والاستيقاظ، بل الخلايا الخامدة التي تكون عبارة عن مجموعات بالآلاف يرتادون المساجد ويتبنون الفكر التكفيري كموضة ثقافية، لكنهم يائسون من جدوى السياسة، ومثلهم الذين كانت لهم تجارب سابقة وبلغوا سنّ الكهولة وقد وصلوا إلى القرف من الانشقاقات وتنازعات السلطة والمال في التنظيمات بعدما عاشوها من عفن الداخل وليس من إبهار الخارج، وتأتي حالة النهوض الدموية التي يسجلها عمل كحادثة الحادي عشر من أيلول فتستنهض وتشحذ بالطاقة هذه الخلايا الخامدة وتقذفها في لجة الفعل، ويتبرّع الشيب لقيادة الشبان، وتنشأ قطعان من الجدي تقودها ماعز خبير بتسلق الأشجار وكيفية قضم الأشواك، لم يكن يحسب لها أهل التنظيم الصغير حساباً، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام طوفان من المتطوّعين يمنحونهم فرصة الحلم الذي كان ممنوعاً، وهنا دور طابخ السم، بمنح هذا الحلم فرصة إحياء الخلايا الخامدة وتنشيطها، وهذا ما يؤكده انتماء الذين نفذوا هجمات باريس لجيل "القاعدة” المتقاعد الذي عاد إلى العمل بوهج ما فعله ظهور "داعش” بهم وبالمئات والآلاف مثلهم من المتقاعدين والمتطوّعين الجدد، وليست القضية أنهم كانوا موجودين ومنتظمين ومصمّمين على الفعل واستعملهم، بل أنهم كانوا مجرّد أصحاب موضة ثقافية في التديّن، وصاروا برعاية رسمية مقاتلين محترفين، وها هم اليوم يرسمون طريق حروبهم بعيداً عمّا رسمه من استنهضهم وقذف بهم في لجة التحوّل من هواة موضة لحى وثقافة إلى محترفين في كيفية حز الرؤوس وأكل الأكباد.
مثقفون مسلمون عاشوا في الغرب وباريس خرجوا يستنكرون المنطقين والمعادلتين، ورأوا فيهما تشجيعاً على الإرهاب وشماتة وتبريراً للفعل المشين، وتعبيراً عن عقدة نقص لا تريد الاعتراف بأنّ المشكلة تكمن "فينا نحن العرب والمسلمين”، فليس كلّ التخلف مؤامرة، وليس الإرهاب مجرّد استجلاب بل هو جزء أصيل من هوية متخلفة للدين تحتاج شجاعة الاعتراف بانتمائها إلى هويتنا الثقافية التي آن أوان الثورة عليها، الثورة الثقافية في الدين وعلى الدين وحول الدين، حتى تستقيم المعايير الإنسانية التي تنتهك باسمه، ونصفّق لها كحمقى، ونخترع لها التبريرات.
في كلّ تفكير وفقاً لابن حنيفة حق فيه بعض من الباطل وباطل فيه بعض من الحق، لكن في السياسة للكلام وظيفة، وموقع وتوقيت، فلأيّ من التفكيرين الأرجحية في اللحظة والسياق الراهنين، للدعوة إلى المراجعة الإسلامية الفكرية والثورة الثقافية، أم لدعوة الغرب إلى التأمل والتقييم وإعادة النظر في السياسات العرجاء؟
ما لا يجوز أن يغيب عن دعاة الثورة الثقافية في الدين، أنّ الثورة كفعل تقدّم إلى الأمام هي في حالة الإسلام دعوة للعودة إلى الوراء، فما نحتاجه هو أن نعود إلى قرن نحو الخلف حيث كان فقهاء من أمثال محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني يتقدّمون المشهد الفكري والثقافي والسياسي، دعاة الدولة المدنية، الذين اختفوا بقدرة قادر ليحلّ مكانهم محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب لنصف قرن، ويتلوهم في النصف الثاني أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي، ولنكتشف أنّ النصف الأول كان صناعة بريطانية والنصف الثاني كان صناعة أميركية، النصف الأول من ثقافتنا الإسلامية صنعه البريطانيون لحماية آبار النفط وقناة السويس، والنصف الثاني صنعه الأميركيون لقتال الشيوعية لربع قرن، وتالياً قتال الشيعية للربع الثاني، على الأقلّ هذا ما تقوله وثائق الخارجية البريطانية ومن بعدها وثائق الاستخبارات الأميركية، بدءاً من مذكرات زبيغينيو بريجنسكي عن كيفية ولادة تنظيم "القاعدة” وظاهرة المجاهدين في أفغانستان بالتنسيق مع القائم بالأعمال السعودي في واشنطن آنذاك الأمير بندر بن سلطان.
ما لا يجوز أن يغيب أيضاً عن دعاة الثورة الثقافية في الإسلام، وهي حاجة بالمناسبة للعودة قرن إلى الوراء، هو أنّ الدعوة إلى دولة إسلامية لم يعرفها الفقهاء المسلمون قبل ولادة الدولة اليهودية في فلسطين، وأنّ موروثات الاحتلال الفرنسي للجزائر وبلاد المغرب لا تزال جزءاً من الذاكرة المستورة في حروب شوارع باريس، وما رافقها من بعد ديني غير خاف على كلّ من تابع ثقافة نزع الحجاب بحراب البنادق للمسلمات في شوارع الجزائر، باعتبار مهمة الاستعمار التنوير حتى صار الحجاب رمزاً من رموز المقاومة للاحتلال، ومن اللافت أنه بعد أكثر من قرن لا يزال الرؤساء المتعاقبون على الحكم في فرنسا يرفضون الاعتذار عن الجرائم الإرهابية الموصوفة التي تفوح منها رائحة العنصرية في حرب الجزائر، بما فيها تجريب الأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية بالمدنيين ونزلاء السجون، على رغم أنّ كلّ من تناوبوا على الرئاسة الجزائرية من أصدقاء فرنسا وخصومها كانوا يواظبون على تجديد الدعوة لمثل هذا الاعتذار.
من المفيد أن ينتبه دعاة الثورة الثقافية إلى أنها لا تكون على ضفة واحدة إلا عندما تكون تبريراً متسرّعاً، لضفة مدانة لتبرئتها من جرائمها، فالغرب الذي ينزف مواطنوه تحت سكين الإرهاب الذي يرفع شعار إقامة دولة الخلافة الدينية، يصرّ على مواجهته بوصفة التحالف مع دولة خلافة أخرى هي تركيا الإخوانية العثمانية، ودولة ولاية إلهية بلا دستور إلا هبة الوهابية هي السعودية، ودولة نقاء وتطهير عرقي هي "إسرائيل” اليهودية، ولا يقاتل إلا الدولة العلمانية الوحيدة في المنطقة التي تمثلها سورية، ويواصل الإصرار على زعم خوض الحرب على الإرهاب من دون أن يستدعي منه ذلك التفكير ولو من باب الواقعية في التدقيق بفرضية القدرة على خوض حربين عالميتين على سورية والإرهاب في آن واحد، ولا يرفّ لهذا الغرب جفن وهو يرى الهجمات على المساجد والتعبئة العنصرية ضدّ المسلمين في مدنه وعواصمه، وملاحقة المهاجرين بالسباب والشتائم والزجاجات الفارغة، ويستنفر لحرب صليبية جديدة عملت لها الحركة الصهيونية اليهودية منذ زمان طويل وأنتجت لحسابها صهيونية مسيحية وصهيونية إسلامية.
هل يحتاج هذا الغرب بعد كلّ ذلك إلى من يربّت على كتفيه أم إلى من يشدّه بشعره؟
ثورة ثقافية مطلوبة نعم، لكن مدخلها أن يقتنع الغرب بأنّ أفضل ما لديه ويرفض تصديره إلينا وربما يعيد النظر في التمسك فيه، هي قيمة العلمنة والدولة المدنية، والمطلوب رفعها بدلاً من نفاق الديمقراطية إلى مستوى القيم الأخلاقية المحدّدة للتحالفات والخصومات، فيصير مقياس الحكم على السياسات "الإسرائيلية” والتركية والسعودية والسورية وتحديد من يقف في معسكر العداوة ومن يقف في معسكر الحلفاء هو مدى مطابقة السياسات لمعايير العلمنة.
حتى ذلك الحين سيبقى العالم يتخبّط بدمائه، والإرهاب يستسقي نظيره، ولحس المبرد لعبة نزيف دائم.