kayhan.ir

رمز الخبر: 132308
تأريخ النشر : 2021June07 - 21:19

 

علي بدر الدين

لا بدّ من الاعتراف، بل الإقرار بكلّ جرأة وشجاعة، أنّ الطبقة السياسية والمالية والسلطوية الحاكمة، فازت في كلّ مبارياتها على الشعب اللبناني، بالنقاط أولاً، ثم بالضربات القاضية المتتالية وطرحته أرضاً، مستسلماً رافعاً العشرة، ولم يعد ينفع معه لا العدّ ولا التنفس الاصطناعي، ولا الصبر عليه لالتقاط أنفاسه، عله يعود إلى المبارزة من جديد، لأنه فقد كلّ مقوّمات المواجهة والدفاع عن وجوده وحقوقه وحياته «الكريمة»، وقد نجح تحالف هذه الطبقة في إنزاله عن الحلبة، بعد خيانة من يدّعي أنه «وليّ نعمته»،  وتحويله إلى مفعول به، لا حول ولا قوة ولا حراك ولا صوت له، وقد تمّ تحييده بالكامل، وكأنّ ما يحصل لا يعنيه وليس هو الضحية وصاحب الحقّ والأوْلى بالرعاية والاهتمام.

من الإنصاف ألا «نظلم» جلاديه، لأنهم في مرحلة تصفية الحسابات وتأمين ظروف أفضل لمستقبلهم السياسي، ولمواصلة إمساكهم حاضراً وفي الآتي من الزمن، بمواقع السلطة ومقدرات الدولة والشعب والمؤسسات، ولإعادة إنتاج أنفسهم والتجديد لتسلطهم واستبدادهم، وحتى لا يتحوّل اللبنانيون إلى عاطلين من العمل، او تتحرّك فيهم روح الإنتفاضة ويتجرأون على المطالبة بالتغيير والإصلاح والمحاسبة، واسترداد ما نهَبه الحكام من أموال عامة وخاصة، استحالة تحقيق ذلك، فقد وفروا لهم فرص عمل بالجملة، منها الوقوف في طوابير حاشدة على محطات الوقود في كلّ المناطق ومن كلّ الطوائف والمذاهب ولم يميّزوا بينهم، ومنهم من بيئاتهم الحاضنة الذين لا يزالون يرفعون أصواتهم وقبضاتهم وشعاراتهم وصوَرهم وأغانيهم التي تمجّدهم على ما ارتكبوه واقترفوه بحقهم، ويبدو أنهم سعداء بتنقلهم من محطة محروقات إلى أخرى على مدار اليوم، وعن بحثهم عن دواء لهم ولأطفالهم في الصيدليات من دون طائل، وقد تأقلموا مع واقعهم الحياتي والمعيشي المستجدّ، وأصبح الغلاء وارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية الضرورية خلفهم وثانوي.

آخر» إبداعات» هذه السلطة التي سطت بالتكافل والتضامن مع حاكم مصرف لبنان وأصحاب المصارف وحيتان المال والاحتكار على أمول الخزينة والمودعين في المصارف، نصب فخاخ جديدة حول أموال المودعين، وإصدار قرارات وتعاميم ما أنزل الله بها من سلطان، غير مفهومة وغير واضحة ومتذبذبة بإبطالها حيناً وإحيائها أو إلغائها حيناً آخر، لأن لا هدف منها سوى إلهاء أصحابها والضغط عليهم للقبول بالقليل منها والتخلي عن كثيرها.

إنّ المنظومة السياسية بكلّ مكوناتها وتوجهاتها وتلاوينها شريكة ومتواطئة ومصرّة على إسقاط البلد وإفقار الشعب وتجويعه، ولا يمكن ان تتراجع عن نهجها وسياستها، قبل أن يؤمّن كلّ فريق منها حصته في السلطة والمال والنفوذ، وهذا واضح من خلال خطاباتها السياسية والطائفية والمذهبية والمصلحية والنفعية، وإصرارها على رفع منسوب شروطها وضغوطها في مواجهة بعضها البعض، ليس من أجل الوطن والشعب والدولة والإصلاح والانقاذ، بل لحماية مصالحها ومكتسباتها وتأمين مقاعدها ومواقعها في السلطة، التي ترسم خريطتها وحدودها وحجمها، وتتصارع عليها بالاتهامات وتحميل المسؤوليات، وأحياناً برسم خطوط حمراء وهمية، لأنها لا تريد تأليف الحكومة الموعودة، ولن توفر البنزين، ولن تعيد أموال المودعين ولن تفرج عن الأدوية المخزنة في المستودعات ولن توقف التهريب، وقد لا تريد أن تحصل الانتخابات النيابية ولا الرئاسية ولا البلدية في مواعيدها، بل على العكس تماماً، فإنّ الأزمات والمشكلات إلى تصاعد وتفاقم، والمؤشرات على أنّ الأسوأ الأخطر بات قريباً، وقد بدأت كرة ناره بالتدحرج، وهذا ما تبشر به هذه المنظومة، ومن أولى ضحاياها، التيار الكهربائي المقنّن أساساً، وصولاً إلى العتمة الشاملة، في ظلّ اشتداد أزمة المحروقات وتهويلات أصحاب المولدات، وانقطاع الأدوية بالكامل، والارتفاع الكبير بالأسعار تحت شعارات نفاذ الاحتياط المالي في المصرف المركزي، الذي يستوجب رفع الدعم او «ترشيده».

لا شك أنّ صمت الشعب وتحييده، أتاحا لقوى السلطة أن تتفرّغ لمزيد من ابتداع أساليب وألاعيب لابتلاع ما تبقى من الدولة والإجهاز على كلّ شيء، لفرض أمر واقع سياسي سلطوي جديد، حيث تنعدم المنافسة مع قوى سياسية تحاول الصعود إلى سلم سلطة جديدة، مع أنها فاقدة لعناصر المواجهة التي تتيح لها إحداث خرق هنا أو فرق هناك، وليس لها ناصر أو معين، حتى الشعب أو بعضه الذي تراهن عليه سقط في حبائل السلطة، وبات غير قادر على الخروج من شرنقته ومن فقره وجوعه وحاجته التي تشغله في البحث عنها.

فهل لجوء الشعب إلى الصمت، يخفي أسراراً لم يبح بها بعد، وقد يحوّل صمته إلى صدمة إيجابية مدوية في لحظة معينة؟ ويقال انّ الصمت في الوقت المناسب حكمة وموهبة، وهو كالعربة الممتلئة أكثر قوة من العربة الفارغة كثيرة الجلبة؟ هل ما زال الوقت متاحاً لانتظار انفجار الصمت، أم سقط الرهان و»اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب؟»

 

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: