kayhan.ir

رمز الخبر: 13082
تأريخ النشر : 2015January09 - 21:17

من قام بالثورة ؟ سؤال يحتاج إلى إجابة.

أحمد الحباسى

لا أجيد اللعب على الحروف أو المشاعر العامة ، ولا أبحث عن المغالطة والهروب من الحقيقة ، لكن اليوم هناك حديث يتناول ما حدث في بعض البلدان العربية وآراء تثار بعد أن ظهرت بعض التحاليل الصحفية تؤكد أن الذي حصل من " ربيع عربي " إنما هو صناعة أمريكية وقرار صهيوني أمريكي خليجي هدفه الإطاحة ببعض الصنم من الحكام المنتهية صلاحيتهم بحيث يتم استبدالهم بطاقم جديد على شاكلة الرئيس الأفغاني حميد قرضاى ، تتفقون معي أن محمد المرزوقي ، محمد مرسى ، عبد الفتاح السيسى ، "قادة بنغازي” ، الرئيس اليمنى الجديد لا يختلفون عن حميد قرضاى من حيث الطوع للانبطاح والقبول باللهجة الأمريكية الآمرة ، تتفقون أن ما حصل من تغيير سياسي يرتكز على أمرين مهمين الأول دور الإدارة الأمريكية في إشعال لهيب الثورات من خلال مساندتها لديكتاتوريات أصبحت محل غضب الشعوب ، ثم قيامها لاحقا بتمويل المظاهرات والإشراف عليها من خلال الأنشطة والدورات التدريبية عن طريق منظمات أمريكية وغربية غير حكومية مثل مؤسسة " فريديم هاوس".

ما من أحد ، إلا بعض الدائرين في فلك العبث الإعلامي المتواصل ، إلا وقد يتساءل ما الذي حدث فعلا وماذا حدث بالضبط لأنه ورغم مرور كثير من الوقت منذ نهاية هذه الأحداث ما زال المواطن العربي المتعطش لمعرفة الحقيقة يعيش الضبابية ويستمع إلى أوصاف وتوصيفات ومسميات مستعارة وموشومة برشقات من الأكاذيب الملغومة إلى حد أنه بات لا يفقه التفريق بين الباطل والحقيقة ، بالمحصلة ، هناك من يعتقد أن ما حدث هي ثورة ، وهناك من يعتقد بأن ما حدث هي حالة من حالات التدافع الاجتماعي تم استغلالها من بعض الأطراف الداخلية والخارجية لتحويلها عن مسارها الطبيعي كمجرد إفراز لحالة "عطش” شعبية لمناطق من الحرية ومساحات من الديمقراطية ليصنع منها "ثورة” على المقاس يمكن التحكم فيها عن بعد.

لا أصدق إلى اليوم أن الإدارة الأمريكية تريد نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ، فهذا الوعي العربي يضر بمصالحها ويهدد مستقبل تواجدها في المنطقة ، ولا أظن أن هذه الإدارة لا تعلم بحالة الكراهية التي بتصاعد منسوبها يوميا ضدها والتي تشكل مؤشرا بليغا عند تعاملها مع أحداث المنطقة ، لكن الإدارة تتجاهل طبعا المشاعر العربية بعلة الاهتمام بمصالحها ، من هنا ، يمكن القول أن ما حدث ليس ثورة بمقاييس الثورات المعلومة ، بل هي تراكمات أحداث مجتمعية سابقة تجمعت في لحظة معينة حتى بات أمر مواجهتها من السلطة الاستبدادية الحاكمة أمرا عسيرا ، وباتت الإدارة الأمريكية ملزمة باحترام " النتائج " حتى لو استلزم الأمر التخلي عن زعامات أوراق الخريف المتساقطة والقبول بهذا التغيير الذي أفرز حكم الإخوان الذين كانوا إلى وقت قريب مصنفين في خانة الإرهاب.

بعض النفوس الخليجية المريضة الحاملة لفيروس الهلوسة والغرور تريد إقناع المتابعين أنها شريكة في هذه الانتفاضات الشعبية ، وأنها من أعطت بعدا دوليا لهذه " الثورات” ، لكن السؤال المهم ، ودون الدخول في ترجيح رأى على آخر ، هل أن ما حصل في تونس ومصر وليبيا هي ثورات ، وهل أن ما يحصل الآن في تونس هو بداية الخطوات الأولى نحو الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ، وللإجابة ، يجب التأكيد من البداية أن ما حدث ليس ثورة شعبية بل هو مجرد غليان شعبي منفلت لم يستطع حكام الاستبداد الموالون للصهيونية العالمية مواجهته في الوقت المناسب " بالأسلحة " الاقتصادية والاجتماعية المناسبة ، فتحول إلى حالة من كرة النار أحرقت تلابيب السلطات الحاكمة التي كانت تعالج أزماتها بمجرد القبضة الأمنية الحديدية ، ولعل المثير في هذه الحالة من التدافع الاجتماعي هو غياب شبه كلى للأحزاب الكرتونية التي كانت تعيش على هامش السلطة ومن فتات بعض دولارات السفارات الأجنبية وغياب كلى لوجوه الثقافة الذي طالما حدثونا عن كونهم الحراس الأمناء على التطلعات الشعبية وبكونهم الضمير الحي للشعوب العربية فتبين أنهم مجرد كومبارس في مشهد سوريالى يفوق المتوقع.

يعتقد البعض أن لمحطة الجزيرة القطرية دورا في إشعال هذا الحراك الاجتماعي ، يظن آخرون أن قطر والشيخ القرضاوى هما الآباء الشرعيان لهذا الحراك ، الحقيقة المجردة أن ما حدث في تونس هو انفلات شعبي عفوي تعود إشاراته الأولى إلى سنوات الغضب التي تبعت الاستقلال والتي شعر فيها أبناء الحوض المنجمى في الجنوب التونسي أن الدولة قد أكتفت بتنمية الشمال على حساب الجنوب ، وتؤكد الأحداث أن احتراق محمد البوغزيزى لم يكن الشرارة التي أشعلت الثورة بل كان حدثا من سلسلة من الأحداث كان الواحد منها كفيلا بإشعال الفتيل لتحترق السلطة المتآكلة بفعل ابتعادها عن هموم العباد وغرقها في تفاصيل الاستحواذ على خيرات البلاد دن اكتراث إلى تصاعد الدخان في مناطق عديد وداخل صدور شعبية عديدة ، لذلك فان الدور القطري ، إن كان من الجائز اعتباره دورا من الأساس ، لم يكن إلا مجرد فاصل في تاريخ التحرك الذهني والشعبي التونسي.

في النهاية ، أكاد أجزم أن من يتصنعون المفاجأة للإيحاء بكونهم قد بهتوا بحصول هذه التحركات الشعبية هم زمرة من المنافقين ، كما أجزم أن المخابرات الأجنبية ولئن كانت تعد أنفاس الشعوب العربية فإنها قد فوجئت فعلا بهذا الهدير الشعبي المنفلت من كل عقاله وهو ما يعطى الدليل مرة أخرى على فشل هذه المخابرات في فهم طبيعة وتركيبة المواطن العربي الذي طالما شكلت تصرفاته وأفعاله عنصر مفاجأة أربكت كل الحسابات والمخططات ، وعندما نرى حالة الحيرة الغربية التي تبعت الساعات الأولى للحراك في مصر وتونس ندرك أن الشعوب العربية قادرة على صنع المفاجآت ، لكن المصيبة لا تكمن في الشعوب بل في هؤلاء الحكام الفاسدين الذين ينامون في حضن الصهيونية ولا يستفيقون إلا بعد فوات الأوان.