ماذا بعد مجلس الأمن؟
يونس السيد
ما كان منتظراً قد حدث، فلم يكن أحد يتوقع أن يمرر مجلس الأمن مشروع القرار الفلسطيني لإنهاء الاحتلال، هكذا بكل بساطة، مع وجود الفيتو الأمريكي المشهر دوماً في وجه الفلسطينيين والعرب، حينما يتعلق الأمر ب”إسرائيل”، فواشنطن عندما تجد نفسها أمام خيارين، ستختار بالتأكيد مشروعها هي، وهناك عبر تاريخ الصراع العربي والفلسطيني - الصهيوني عشرات المرات التي استخدمت فيها واشنطن حق الفيتو، وهناك الكثير من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية ولم ينفذ منها قرار واحد حتى الآن.
حسناً فعل الرئيس محمود عباس بالتوقيع على طلب الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية والمنظمات الدولية الأخرى، ولكن هل كان على عباس أن يذهب كل هذا المشوار للبحث عما يعتقد أنه يوفر له غطاء لاتخاذ هذه الخطوة التي طال انتظارها؟ ربما، بقدر ما كانت هذه الخطوة ضرورية لإقناع المراهنين على التسوية ومنهم الرئيس عباس نفسه، وربما رأت الدبلوماسية الفلسطينية أهمية اختبار مواقف المجتمع الدولي وكل الدول الداخلة في هذا الرهان، والتي تقود التحركات في هذا الاتجاه، ووضعها على المحك. فالمطلب الفلسطيني بنقل القضية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن هو مطلب قديم جديد، ولكن في سياق المشروع الوطني التحرري القائم على توظيف كل الخيارات لإنهاء الاحتلال وانتزاع الحقوق وصولاً إلى الحرية والاستقلال. وطبيعي أن خطوة الرئيس عباس ستظل ناقصة، ولن تكتمل بالتأكيد، ما لم تستند لهذا المشروع الوطني التحرري، وحاضنته الشعبية، وتعتمد خيار المقاومة بكل أشكالها، وما لم يتم احتضان الانتفاضة الشعبية المتواصلة وتشكيل قيادة ميدانية موحدة لها بدلاً من محاولات إجهاضها. وأيضاً ستظل هذه الخطوة ناقصة ما لم يتم إنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال وقطع كل الصلات والروابط الأخرى معه، حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء اتفاق”أوسلو” وحل السلطة، بعدما ثبت أنه لم يكن سوى مشروع رابح للاحتلال على حساب القضية الفلسطينية، التي تعود الآن، وبعد أكثر من عشرين سنة من المفاوضات، إلى المربع الأول.
في كل الأحوال، من الواضح أن المعركة الحقيقية مع الاحتلال قد بدأت الآن، وهي معركة ستكون أشد قسوة وضراوة، لأنها تضع المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال وجهاً لوجه بلا رتوش، وما التهديدات المجنونة التي يطلقها قادة الاحتلال للسلطة والمقاومة معاً، ومحاولات دمغهما بالإرهاب عبر نبش الماضي، والتلويح بجرهما إلى المحاكم الدولية، سوى تعبير عن حالة الارتباك والتخبط التي يعيشها هؤلاء القادة. و”إسرائيل” تدرك قبل غيرها أن نبش الماضي سلاح ذو حدين، وأنها ستخسر في المحافل الدولية، رغم كل ما يمكن أن توفره واشنطن وحلفاؤها الغربيون من دعم وحماية لها، وإن القضية الفلسطينية ستنتصر في النهاية، وسيتم جلب قادة الاحتلال إلى المحاكمة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها بحق الفلسطينيين، لأن كل المواثيق والقوانين الدولية التي كفلتها الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، تؤكد حق الشعوب المحتلة في مقاومة محتليها، فهل يمكن أن نتعامل بشيء من الجدية، ولو لمرة واحدة، مع قضية العرب الأولى، قضية فلسطين.