kayhan.ir

رمز الخبر: 124345
تأريخ النشر : 2020December30 - 19:59

ايهاب زكي

في بداية عهد الرئيس بشار الأسد، كان الغرب يتعامل معه باعتباره الشاب الغرّ وريث الرجل الصلب، وتصرف على هذا الأساس في محاولةِ احتواء سوريا ونظامها. الغزو الأمريكي للعراق، كان بمثابة الاختبار الأول لتلك النظرة الغربية ولتلك المحاولات بالاحتواء، وما زال الجميع يذكر الزيارة الشهيرة -بعد احتلال العراق- التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي في حينه كولن باول، والتقى خلالها الرئيس الأسد في دمشق، وطالب بقطع العلاقات السورية - الإيرانية، وطرد حركات المقاومة الفلسطينية من سوريا ووقف دعم حزب الله، ومطالب أخرى على هذه الشاكلة، فكان رفض الرئيس الأسد لهذه الوصفة الأمريكية بمثابة الصدمة الأولى للغرب. فالشاب الذي اعتقدوه غرّاً سهل الاحتواء والتسيير، يوجه لهم صفعته الأولى. هذا الرفض لم يكن مجرد موقفٍ شفهي، بل يُعتبر بمثابة إعلان حرب على القوة الأعظم في العالم، حيث يتواجد ربع مليون جندي أمريكي في العراق، على بُعد أقل من رمية حجرٍ عن الحدود السورية، قاموا بتحطيم العراق وجيشه ومقدراته في أقل من 20 يوماً، وحين قال الرئيس الأسد "لاءه" الكبيرة، قطعاً كان مشهد العراق تحت وطأة هيجان الثور الأمريكي في ذهنه، و"اللا" تعني أنّ إصبعه كان على الزناد.

ومنذ مغادرة كولن باول دمشق مصفوعاً، اتخذت الولايات المتحدة قرارها بضرورة التخلص من الرئيس الأسد، وسوريا التي استعدت لتبعات تلك الـ"لا"، فتحت حدودها مع العراق ذهاباً وإياباً، ذهاباً للمقاومين وإياباً للاجئين. وتعرف الولايات المتحدة أنّ دماء جنودها التي تسيل في العراق، كانت سوريا و"لاء" الأسد أحد أسبابها، وكانت تعبر عن ذلك بالضغط السياسي في المحافل الدولية أحياناً، الذي كانت أبرز تجلياته القرار الدولي 1559، وبالحصار الاقتصادي حينا، والأخطر ما كنت تعدّ له في الغرف المظلمة دائماً، حيث تم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق حينها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتم اتهام سوريا مباشرةً بالوقوف وراء الاغتيال، وتدفقت التهديدات الأمريكية والغربية على سوريا من كل صوب، وهي كانت أشبه بإعادة تدوير الواقع الذي كانت عليه الساحة الدولية، إبان المطالبات الدولية للعراق بالانسحاب من الكويت، تمهيداً لشنّ الحرب على العراق وتدميره. لكن الرئيس الأسد كما يمتلك شجاعة الرفض كان يمتلك حكمة القبول، فتجنّب الفخ الذي كان يُنصب لسوريا، وأعلن بدء انسحاب الجيش السوري من لبنان، وبعد تفويت هذه الفرصة أصبح التفكير الغربي متجهًا نحو الابتعاد عن استهداف المركز لناحية استهداف "الأطراف"، فكان عدوان تموز 2006 على لبنان.

شنّت "إسرائيل" عدوانها على لبنان بغية ما قالت إنّه سحق حزب الله، وكانت الحرب بأمرٍ أمريكي وغطاءٍ عربي، وكان الهدف الأمريكي المعلن هو استيلاد شرق أوسطٍ جديد، لا مكان فيه لكل من يملك شجاعة قول "لا"، ولكن تأتي رياح النصر بما لا تشتهي سفن المهزومين، فانتصر من يتمترسون خلف لاءاتهم، وسُحق مشروع الشرق الأوسط الجديد. وقد أعلن السيد نصر الله في أكثر من مناسبة، أنّ مخازن الصواريخ السورية لم تُغلق يوماً في وجه الحزب، وأثناء عدوان تموز لم تتوقف خطوط الإمداد من سوريا، وأنّ الرئيس الأسد أبلغ السيد نصر الله باستعداد الجيش السوري لدخول المعركة، ولكن السيد طمأن الرئيس بأنّ المقاومة قادرة على صناعة الانتصار. ومن أهمّ ما قدمه الرئيس الأسد كان صواريخ "الكورنيت" روسية الصنع، التي كان لها عظيم الفضل في حسم المعارك البرية، والتي مرّغت أنف جيش العدو في الوحل، وهلهلت أسطورة درة تاج فخره "الميركافا"، فمزقتها بأيدي المقاومين شرّ ممزق، خصوصاً ما شاهده العالم مباشرة في وادي الحجير، حيث كانت "الميركافا" كما قال أحد الضباط الصهاينة "كالإوز في حقل رماية"، فكان مدّ المقاومة اللبنانية بهذا السلاح، بمثابة إعلان حربٍ سوريةٍ على "إسرائيل".

وهناك حربٌ أشدّ قسوةً أعلنها الرئيس الأسد على "إسرائيل"، لم نكن نعلمها كجمهور، ولكن "إسرائيل" تعلمها، والولايات المتحدة تعلمها أيضًا، ومن سلّم ومن تسلّم ومن اقترح وصول "الكورنيت" إلى غزة يعلمها، فقد كشف السيد نصر الله في حوار العام على قناة "الميادين"، عن تفاصيل وصول هذا السلاح إلى غزة، خصوصاً إلى حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، حيث السؤال الوحيد الذي وجهه الرئيس الأسد، وهل من طريقٍ لإيصاله إلى غزة؟ وحين كانت الإجابة بـ"نعم"، أصبح الكورنيت في غزة، وغزة تحت أنف"إسرائيل"، والعالم الاستعماري لا يحتمل العبث بذيل "إسرائيل"، فكيف باللكمات تحت أنفها؟ وأذكر أنّه في العام2001 أعلن بعض المتبرعين عن بناء مدرسةٍ في موقع استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة، وفي حينها كان مليار ونصف مليار مسلم، من ضمنهم وإلى جانبهم 400 مليون عربي، لا يستطيعون وضع لبنةٍ واحدة في ذلك البناء، لكن ثلاثة مسلمين من ضمنهم عربيّان -الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله والجنرال قاسم سليماني- قرروا أنّ يضعوا غزة على قائمة الخطر الاستراتيجي التي تحيط بـ"إسرائيل"، وليس مجرد لبنةٍ في مدرسة، فأدرك الغرب أنّ مدّ الأسد لغزة بسلاح الكورنيت، يعني ألّا خطوط حمراء لديه في عداء "إسرائيل" ومواجهتها، وقررت أنّ قائداً يمتلك الشجاعة المسقوفة بالحكمة لا يمكن احتماله، ولا يمكن الركون لأمن "إسرائيل" وأمن المصالح الغربية بوجوده، فأعادوا استهدافه بإطلاق ما سُمي "الثورة" السورية، وهي بمثابةِ حربٍ كونية أُعلنت على الأسد، مقابل حروبه التي أعلنها ضدهم في السرّ والعلن، لكنه انتصر، وبهذا النصر سيكون العالم أمام قائدٍ يمسك بيمينه الخرائط الجديدة، وليس مجرد رئيسٍ عربيٍ كان بإمكانه قول "لا".

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: