kayhan.ir

رمز الخبر: 123437
تأريخ النشر : 2020December14 - 19:39

ما هو سِر القصيدة “المَلغومة” التي ألقاها الرئيس أردوغان في باكو وفجّرت حرب استِدعاء السّفراء بين أنقرة وطِهران؟


هل فتحت أسطُر هذه القصيدة جُروح الصّراع الصّفوي العُثماني الدّامية؟

وهل كان اختِيارها مُتعمّدًا أمْ من قبيل الصّدفة؟ ولماذا في هذا التّوقيت؟ وهل أنهَت مُكالمة أوغلو لظريف الخِلاف؟

تسود الأروقة السياسيّة الإيرانيّة حالةً من الغضب بسبب القصيدة التي ألقاها الرئيس رجب طيّب أردوغان في حفلٍ أقامه الرئيس الأذري إلهام علييف في باكو بمُناسبة انتصار بلاده على أرمينيا في معركة قرة باخ الأخيرة، وجرى التّعبير عن هذا الغضب باستِدعاء السّفير التركي في طِهران، وإبلاغه رسالةً تقول بلهجةٍ حادّة "أنّ مرحلة ادّعاء السّيادة والتّرويج للحرب والامبراطوريّة التوسّعيّة قد ولّى وإيران لن تسمح لأحد بالتدخّل في وحدة أراضيها”.

لا نعرف ما إذا كان الرئيس أردوغان قد تعمّد تضمين فقرات من هذه القصيدة المنسوبة إلى شاعرٍ "قوميّ” أذري، وبالتّحديد الفقرة التي تتحدّث عن "أجزاء” من الأراضي الأذريّة تُعتَبر أحد المُكوّنات الجُغرافيّة الأساسيّة للدولة الإيرانيّة، أمْ أنّه اختِيارها جاء بالصّدفة المَحضة، وقرأها دون أن يُدرك جوهر كلماتها ومعانيها وحجم الحساسيّة الذي يُمكن أن ينجم عنها في أوساط الجانب الإيراني على الجانِب الجنوبي من الحُدود.

كثيرون، وخاصّةً الذين يَعرِفون شخصيّة الرئيس أردوغان واتّباعه لسياسة حافّة الهاوية مع دُول الجِوار، خُصوم كانوا أو أصدقاء، يميلون إلى ترجيح الاحتِمال الأوّل أيّ "التعمّد” لضرب عصفورين بقصيدةٍ واحدة، الأوّل تعزيز شعبيّته في أوساط الشّعب الأذربيجاني الذي يعتبره بطلًا لتدخّله بقوّة لصالح بلادهم في الحرب ضدّ أرمينيا وهو التدخّل الذي كان له دورًا حاسمًا في تحقيق النّصر، ويُمثّل في إرساله قوّات، وأسلحة تركيّة مُتطوّرة جدًّا من بينها طائرات مُسيّرة من نوع "بيرقدار”، أمّا الثاني فيعود إلى تبنّي الرئيس أردوغان أيديولوجيّة قديمة جديدة، عُنوانها إحياء القوميّة التركمستانيّة وتكوين عصبة، أو كُتلة، تَضُم جميع الدول التي تنتمي شُعوبها إلى العِرق التركمستاني، في الجُمهوريّات الآسيويّة الإسلاميّة التي كانت تحت الخيمة السوفييتيّة.

حالة الغضب الإيرانيّة تأتي من وجود قناعة لدى مُعظم النّخبة الحاكمة في طِهران بأنّ الرئيس التركي يُلمّح من خِلال هذه القصيدة إلى التّذكير، وربّما إحياء الصّراع الامبراطوري الصّفوي العُثماني، وربّما لهذا السّبب حَرِصَ المسؤول الإيراني الذي استدعى السّفير التركي إلى مقر خارجيّة بلاده إلى إبلاغه "أنّ عهد التّرويج لحرب الامبراطوريّات قد ولّى”.

العرقيّة الأذريّة التركمانيّة (20 مِليون نسمة) تُشكّل العِرقيّة أو القوميّة الثانية من حيث العدد بعد نظيرتها الفارسيّة، أيّ يُوجد في إيران من الأذريين أكثر من ضعفيّ عددهم في دولة أذربيجان، ولعلّ الرئيس أردوغان أراد استِخدام هذه العِرقيّة التركمستانيّة كورقة تهديد للضّغط على إيران لسببٍ ما لا يَعرِفه إلا الرئيس أردوغان نفسه، وربّما مجموعة صغيرة من المُحيطين به في الوقتِ الذي تتزايد فيه احتِمالات شنّ إسرائيل وأمريكا عُدوانًا لضرب المُنشآت النوويّة والبُنى التحتيّة الإيرانيّة وقبل نِهاية فترة حُكم دونالد ترامب.

التوتّر ما زال العُنوان الأبرز للعُلاقات بين البلدين اللذين من المُفترض أنّهما جارين حليفين تربطهما مصالح مُشتركة، وأعداء مُشتركين، ويقترب حجم التّبادل التّجاري بينهما حواليّ العِشرين مِليار دولار، ويطمحان إلى مُضاعفته، والأهم من ذلك أنّ سلّة كُل منهما تطفح بالمُؤامرات التي تستهدفهما وتَقِف خلفها الولايات المتحدة الأمريكيّة وحُلفاؤها الأوروبيين وإسرائيل وبعض الحُكومات العربيّة في الجزيرة العربيّة.

مولود جاويش أوغلو وزير الخارجيّة التركي، هاتَف بالأمس نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في مُحاولةٍ لتطويق الأزَمة، وشرح الموقف التركي ومُلابسات إلقاء "القصيدة الأزَمة” من قِبَل الرئيس أردوغان في العاصمة الأذريّة باكو، ولم تَصدُر أيّ تصريحات تُؤكّد تطويق الخِلاف، أو حتى دفنه لو مُؤقّتًا.

مرّةً أُخرى نسأل "ألا يُوجَد عُقلاء” في تركيا يضعون حدًّا لسياسة استِعداء مُعظم، أو جميع دول الجِوار الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، وبما يُؤدّي إلى غرق بلادهم في حُروبٍ عسكريّة واقتصاديّة قد تَنعكِس سلبًا على وحدة التّراب والاقتصاد التركي في ظِل أزمة اقتصاديّة طاحنة قد تزداد خُطورةً في المُستقبل المَنظور بفِعل العُقوبات الأوروبيّة والأمريكيّة؟

هُناك مثل إنجليزي مشهور يقول "إذا وقعت في حُفرة فإنّ أوّل شيء يجب أن تفعله هو التوقّف عن الحفر” لا نعرف ما إذا كان الرئيس أردوغان قد سَمِع بهذا المثل أم لا، وفي كُل الأحوال نأمَل أن يَلفِت مُساعدوه نظره إليه إذا كانوا يجرؤون على هذه الخطوة، أو إذا كان يستمع لنُصحِهم أو غيرهم، وإن كانت معلوماتنا تُؤكّد عكس ذلك.. واللُه أعلم.

"رأي اليوم