عندما يتحدث أردوغان عن العمى الإستراتيجي
محمد الجميلي
في آخر حلقات السجال التركي الأوروبي، و التصريحات النارية التي درج أردوغان على إطلاقها، رمى الشركاء الأوروبيين ب "العمى الإستراتيجي” غداة توسيع الإتحاد قائمة العقوبات ضد تركيا على خلفية الأزمة في شرقي المتوسط. و على خطى أوروبا أقر مجلس النواب الأمركي مشروع قانون يمهد لفرض عقوبات على تركيا لاقتنائها منظومة ” إس-400″ الروسية. و لا يبدو أن الروس يشعرون بالطمأنينة لشطحات الجانب التركي خاصة بعد غزوة ناغورني كاراباخ فتسريبات وسائل الإعلام الروسية تشير إلى إمتعاض الكرملين من لعب السلطان العثماني في حديقة روسيا الخلفية باستقدام مقاتلين سوريين..، و كذلك تدبدب موقف "الشريك” التركي انطلاقا من فهمه لحاجة الغرب إلى الدور التركي. هذه اللعبة وصفتها روسيا اليوم ب”اللعبة خبيثة” مع الكرملين، متهمة أردوغان بمحاولة الجلوس على كرسيين معا (الغرب/روسيا).
قد بات اللعب التركي على المكشوف عربيا، و إقليما، و دوليا بسبب هذه العبقرية الإستراتيجية الأردوغانية التي نقلت تركيا الحلف الإستراتيجي للناتو من مهندس للعلاقات الغربية الإسلامية، التي سمحت بتسويق الإسلام السياسي، و النموذج التركي السني كبديل للوهابية الحجازية، إلى مصدر قلق جيوسياسي و "مشكلة حقيقية” كما قال بايدن الذي توعد أردوغان بدفع ثمن أفعاله حسب ما ذكرت شبكة "سي إن إن” الأمريكية.
سمح هذا التخبط و ارتفاع التوتر في المتوسط بظهور دور مصري حاسم و حازم الذي تحرك للجم الجموح التركي على الحدود الغربية مستفيدا من تفكك الدولة الليبية لتقوية خصوم مصر، و إضعاف حلفائها. و يبدو أن الخط المصري الأحمر الذي وضعه السيسي في ليبيا والذي حدّده بخط سرت – الجفرة، و تحذيره من التدخل العسكري المصري ان تم تجاوزه، أهل الجانب المصري للعب دور نشط على مستوى المتوسط في التصدي لأنشطة تركيا الأحادية كما قال السيسي الذي دعا تركيا إلى احترام قانون البحار، الورقة المصرية كانت رابحة للجانب الروسي أيضا.
لا شك أن زيارة السيسي لفرنسا بإرثه العدائي لمشروع الإخوان المسلمين الذي تتبناه تركيا هي ثمرة هذا العمى الإستراتيجي الذي سقطت فيه القيادة التركية، التي استدركته بغزل واضح للجيش المصري، و إجراء محادثات سرية مع إسرائيل، و مع المنامة الذي أعقبه تبادل رسائل ودية مع العربية السعودية التي سبق أن ألحق بها ضررا كبيرا بعد واقعة خاشقجي، و في اليمن، والانحياز الواضح في الصراع الخليجي لقطر كل هذه الخطوات التي تمت على عجل لترتيب المشهد الإقليمي قبيل تنصيب بايدن للخرروج بأقل الخسائر من حصاد سياسات و قرارت و نهج صدامي ينبئ بتحول دراماتيكي. لكن المعركة الفاصلة هي التي يخوضها مع أعداء الداخل الكثر الذين يصفهم ب”الطابور الخامس ” .