kayhan.ir

رمز الخبر: 123237
تأريخ النشر : 2020December11 - 19:22
سلسلة الأزرق الملتهب:

تركيا والعصف العثماني

السيد اكرم ناظم بزي

مع زيادة التوتر في الحوض الشرقي للمتوسط، وعين الدول الكبرى على اعادة اقتسام جغرافية وثروات الشرق الاوسط في ظل تشتت شعوب المنطقة وغياب مشروع حضاري جامع، بات لهيب المنطقة اقرب الينا نقلة بعد نقلة. في هذا الاطار يستضيف موقع الملف الاستراتيجي مجموعة من الكتاب والباحثين للاضاءة على الابعاد المختلفة للصراع على المتوسط واعادة تعريف دور الاسلام السياسي التركي في هذا الصراع وعلاقته بالقوى الكبرى وميزان القوى الإقليمي (أدارت الندوة نور الحلو)

العالمون بتركيبة الأحزاب السياسية في تركيا، يدركون تماماً أن ما حققه رجب طيب أردوغان على رأس حزب العدالة والتنمية وبعد إقصاء الزعيم التركي فتح الله غولان وما يمثله داخل المجتمع التركي يفوق بكثير مما كان يعتقد البعض، إذ أن أردوغان أحكم سيطرته على الجيش والذي كان يعتبر لأمد قريب أنه الحاكم الفعلي للبلاد، والقريبين من أردوغان يعلمون ان الرجل لديه طموحات تتصل بالإرث العثماني القديم منذ أيام مراد الأول واحتلاله لبلاد البلقان، وربما تكون معركة كوسوفا من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي والعالمي، التي أرقت أحلام أردوغان منذ طفولته هذه المعركة التي دارت رحاها في شبه جزيرة البلقان. وكانت بين تحالف الجيش الأرثوذكسي بقيادة الملك الصربي لازار من جانب، وبين الجيش العثماني بقيادة السلطان مراد الأول من جانب آخر، والبلقان منطقة كبيرة تشكل الزاوية الجنوبية الشرقية لأوروبا شكَّلَت عبر القرون خط تماس وتوتر بين العالَمين النصراني والإسلامي أيضاً. جعل الأتراك العثمانيون هذه المنطقة ميداناً لفتوحاتهم وأنشطتهم في نشر الإسلام، على حساب الإمبراطورية. ويبدو أن الرئيس أردوغان يعمل على ترسيخ فكرة التوسع خارج المدى الحيوي الطبيعي لتركيا، عملاً بمبدأ "عدم جواز تدخل الدول الأجنبية لمنع اتساع دول أخرى عن طريق ضم بعض الدول الصغيرة المجاورة لها، مادام الغرض من هذا الضم هو قيام دولة كبيرة تجمع بين كل أفراد الجنس الواحد”.

يقول اللواء المتقاعد جيم غوردنيز في حديث لصحيفة "واشنطن بوست” الأميركية، في تعريفه لـ "الوطن الأزرق” الوصول إلى منطقة عازلة واسعة تبلغ ما يقارب 180 ألف ميل مربع من البحر، تمتد إلى ما وراء الجزر اليونانية قبالة الساحل الغربي لتركيا، اذ "لا يمكن إهمال البحار مرة أخرى، لا يمكن إبعادنا عن الجغرافيا السياسية للبحر الأبيض المتوسط ، وحضارة البحر الأبيض المتوسط”، متسائلاً حول كيفية "مقاومة الأعداء الذين يريدون أن يروا تركيا غير ساحلية”. ووفقًا "لسينم أدار”، باحث في مركز دراسات تركيا التطبيقية في برلين، أنّ "مفهوم الوطن الأزرق لم ينطلق إلا بعد محاولة الانقلاب ضد حكومة أردوغان عام 2016، إذ عمد الأخير إلى تشكيل تحالفاً سياسياً مع القوميين وشرع في سياسة خارجية أكثر عدوانية شهدت انخراط القوات المسلحة التركية في النزاعات من شمال العراق إلى ليبيا”، بحسب الصحيفة أيضاً. وقال إنّ "أنقرة خلصت بعد محاولة الانقلاب إلى أن البلاد مهددة، ولا يمكننا الوثوق بشركائنا الغربيين، علينا أن نساعد أنفسنا”.

والواضح من التدخلات التركية في العراق وسوريا وليبيا وعلاقاته الوطيدة مع قطر (المال)، والمشاكل حول الحدود البحرية بين اليونان وتركيا، وتدخله بدعم أذربيجان في المعارك الدائرة حول إقليم ناغورنو قره باغ، دليل على أن السياسة التركية الخارجية تقوم على فكرة التوسع خارج الحدود التركية وتوسيع رقعة نفوذها في المنطقة المحيطة والأبعد من محيطها، والذي يعتبر بمفهوم أردوغان أنه اكثر ضمانا لصون الداخل والحفاظ على الحدود التركية دون المساس بها فيما لو تطورت الأمور في المستقبل، خوفاً من التحالفات الأميركية الأوروبية والتي تؤدي فيما تؤدي اليه من "تقسيم وتفتيت الدولة التركية” وهذا ما يؤرق المنظرين الفاعلين في المطبخ السياسي التركي منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويزعم أردوغان أنه "ليس ثمة دولة أو دول تستطيع أن تحصر تركيا في يابستها، ولهذا عقد مذكرة التفاهم مع حكومة الوفاق الليبية، كما أرسل بوارجه الحربية لتحرس السفن التركية التي تنقب عن الغاز في المياه القبرصية واليونانية، ومؤخرا في مناطق المناطق البحرية الليبية الجديدة”.

ويروج الإعلام التركي: "إلى أن التوسع التركي في جوارها العربي من أجل منع تعرضها للتقسيم، فتركيا ‏حين تكون كبيرة يصعب على الغرب تقسيمها أو كما يحسبها التجار ورجال الأعمال، لندع تركيا تتوسع كما كان ‏حالها إمبراطورية عثمانية، وإذا هاجمها الغرب فستعطيهم جزءاً من بلد عربي هنا وجزءاً من بلد عربي تحت ‏وصايتها هناك، كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى وتخليها عن الشام والعراق لبريطانيا، وعن بعض بلدان المغرب ‏لفرنسا”. ولهذا تضمن عدم الوصول الى الحدود التركية”.

ولا أعتقد بأن الدول الأوروبية، وعلى رأسها روسيا ستسمح له بإكمال مشروعه هذا، إذ لطالما شكلت تركيا الخاصرة الرخوة لروسيا أولاً ولأوروبا ثانياً، وعلى هذا الأساس حاولت "أوروبا” وعلى مر عقود مضت، أن تعدها بأن "تضمها” لعضويتها إلا أنها بقيت وعوداً على ورق لغاية الآن.