ازدواجية التعاطي الغربي حيال الاستفتاء ما بين شرق اوكرانيا وجنوب السودان
علي عوباني
ديمقراطية ام ديماغوجية، تلك التي تتعاطى بها الدول الغربية، مع قضايا مصيرية خارج نطاقاتها الجغرافية؟ الاستفتاء الشعبي واحد من طرق التعبير الديموقراطية المعتمدة لدى العديد من دول العالم، والتي يلجأ اليها عادة لقياس توجهات الرأي العام نحو قضايا مصيرية لبناء القرارات على اساسها. لكن اللافت ان الاستفتاء يكون مقبولاً ومرحباً به حينما يتوافق مع مصالح الدول الغربية كما حصل في جنوب السودان، ومرفوضاً مندداً به حينما يتعارض مع تلك المصالح كما حصل في شرق اوكرانيا. تلك واحدة من بدع الديمقراطية الغربية وسياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين لدى الدول المهيمنة على القرار الدولي، ذاك الاستعمار الجديد الذي يطل بأساليب متجددة تحاول سلب الارادة الشعبية قرارها، عبر التفنن بطرق قانونية وعبر منظمات حقوقية اممية ودولية.
وفي هذا الاطار، يؤكد الخبير في القانون الدولي الدكتور خليل حسين أن هناك ازدواجية واضحة يتعامل بها الغرب مع القضايا المتماثلة في الغرب أو الشرق، فيشير على سبيل المثال الى الاستفتاء الذي جرى مؤخراً في شرق اوكرانيا، والذي جاءت نتيجته واضحة وبنسبة ساحقة تتعدى الـ70 بالمئة لمصلحة الانفصال عن اوكرانيا والانضمام الى روسيا، فيما سارعت الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي لعدم الاعتراف به باعتبار انه يتناقض مع مشاريعها الخاصة، بينما نلاحظ أن استفتاءً حصل في قضية مشابهة، وهي قضية انفصال جنوب السودان عن السودان، لكن المفارقة أن الدول ذاتها التي رفضت استفتاء شرق اوكرانيا كانت سارعت حينذاك للاعتراف بنتيجة استفتاء جنوب السودان بل ودعمت هذا البلد للانضمام الى الامم المتحدة كدولة مستقلة.
ويضيف حسين: "الامر ذاته ينطبق ايضاً على وقوف الولايات المتحدة الاميركية ضد انضمام السلطة الفلسطينية الى الامم المتحدة كعضو كامل العضوية، وفي مسائل أخرى كالاستفتاء الذي حصل في تسعينات القرن الماضي في البوسنة والهرسك للانفصال عن يوغسلافيا، وكذلك الموقف الاميركي الداعم لانفصال الشيشان عن روسيا، والرافض لانفصال اوستيا عن جورجيا..، وكذلك في العديد من المناطق الساخنة في العالم التي يعاد نظر الجغرافيا السياسية بها على أساس حق تقرير المصير عبر استفتاءات شرعية وقانونية وبإشراف مؤسسات دولية غير حكومية، ورغم ذلك تقف الولايات المتحدة الاميركية عائقاً أمام هذه الشعوب لتقرير مصيرها”، وبالمحصلة، يلفت الدكتور حسين الى أن "هناك العشرات من الامثلة الواضحة التي توثق سلبية الموقف الاميركي في الاستفتاء وفي حرية الشعوب لتقرير مصيرها، هذا فضلاً عن العديد من الحالات التي تتعلق بالسياسات الاميركية في المنطقة سواء بمسألة نزع الاسلحة غير التقليدية، أو تفاوت الموقف الاميركي من "اسرائيل”، والعرب، والجمهورية الاسلامية الايرانية بخصوص الملفات غير التقليدية.
وفيما يشير حسين الى أن "حق تقرير المصير والاستفتاءات تعتبر العصب الاساسي لمظهرة الديمقراطية”، يخلص الى أن "الولايات المتحدة الاميركية بارعة جداً في ازدواجية التعامل مع القضايا المتماثلة التي تتعارض وسياساتها الاقليمية والدولية”، ويستغرب كيف أن الولايات المتحدة لا تعترف بالاستفتاءات التي تجريها بعض الدول لتقرير مصيرها في الوقت الذي تتشدق به بالديمقراطية، سائلاً: "كيف يمكن لاميركا الا تعترف مثلاً بحق شعوب معينة بتقرير مصيرها بالانفصال او الانضمام الى دول اخرى، وأن تتغنى بالديمقراطية وحكم الشعوب في نفس الوقت؟”. وفي هذا الاطار يذكّر الدكتور حسين بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في غزة عام 2006 والتي جرت برعاية أميركية وبإشراف الرئيس جيمي كارتر، لافتاً الى انه "عندما فازت حركة "حماس” في تلك الانتخابات نقضت ادارة واشنطن اتفاقاتها واعتبرتها غير ديمقراطية، لاختلاف سياسات حماس معها، والامر نفسه ينطبق على التشكيك بنتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية، وكذلك الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها بعد اسبوعين في سوريا.
وفي الختام، يشير الخبير في القانون الدولي الدكتور خليل حسين الى انه من السهل جداً على الولايات المتحدة أن تلعق تواقيعها بسهولة، لان الامر يتعلق بكيفية ادارتها ونظرتها لبعض المسائل الساخنة في الدول العربية، والدليل الموقف الاميركي من الانتخابات الرئاسية المزمع اجراؤها في لبنان، ففيما نرى الولايات المتحدة الاميركية تصرح علناً انه ليس لها موقف او انها لن تتدخل في الانتخابات الرئاسية اللبنانية، نجد غالبية قوى 14 اذار تنتظر كلمة السر من السفير الاميركي للادلاء بدلوها في هذا الموضوع.
خلاصة الامر، فإن بوصلة المصالح الاميركية هي التي تحدد سياستها من قضايا الغرب والشرق، أما الاستفتاء وادوات الديمقراطية فليست سوى مطية لتحقيق مآرب "شيطانية”.