kayhan.ir

رمز الخبر: 119526
تأريخ النشر : 2020September20 - 19:26

استراتيجية الصين نحو الزعامة العالمية

سركيس ابو زيد

طريق الصين الى القطبية العالمية تمر عبر نماذج جديدة متنوعة مبتكرة الى حد التناقض في العلاقات الدولية. سنستعرض هنا مواقفها المتباينة في التبادل مع الولايات المتحدة والهند وايران:

الصين - أميركا: حرب باردة جديدة

الصعود الصيني يشكل مصدر قلق لدى صناع القرار في الولايات المتحدة. لذا، دقت الإدارة الأميركية جرس الإنذار. وللمرة الأولى يلجأ مسؤولون فيها إلى استخدام قاموس الحرب الباردة. تهاجم الإدارة الأميركية السياسة الصينية في مجالات عدة: الخلل في ميزان التبادل التجاري والتعريفات الجمركية، وانتهاك الملكية الفكرية، والتكتم في ملف "كورونا"، والسعي إلى إخضاع هونغ كونغ والهيمنة في بحر الصين الجنوبي، والتقدم التكنولوجي لشركة "هواوي" التي تصب في خدمة "آلة تسلط شمولية" هي الحزب الشيوعي الصيني (يصل عدد أعضائه إلى تسعين مليون شخص)... لكن ما يقلق صناع السياسة في واشنطن هو خوفهم من أن يكونوا قد تأخروا في التنبّه إلى الخطر الصيني. ويقفون حائرين أمام النموذج الصيني الذي قدم دليلا على قدرته على صناعة التقدم الاقتصادي من دون اعتناق قيم الديمقراطية أو الحرية كما يفهمها الغرب، وتمكنه من تحسين شروط حياة مئات الملايين من الصينيين من دون أن يتظاهروا مطالبين بتعددية حزبية وانتخابات شفافة.

القلق الأميركي ترجمه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي شن هجوما على سياسة الصين الحالية ودورها، وبعبارات بعيدة عن قفازات الدبلوماسية. قال بومبيو: "إذا أردنا أن يكون القرن الـ 21 حرا وليس القرن الصيني، فإن النموذج القديم من التعاطي الأعمى مع الصين لا يجب أن نعود إليه". ويتابع بومبيو إن "الصين هي اليوم دولة استبدادية أكثر فأكثر في الداخل، وأكثر عدوانية في كل مكان آخر"، ويختم: "إذا لم يغير العالم الحر الصين الشيوعية، فإن الصين الشيوعية ستغيرنا".

الصين ـ الهند: صراع مستقبلي وإرث التاريخ

تسود حالة غليان علاقات الهند مع جارتها الصين، جراء التوترات المستمرة على الحدود بين البلدين بطول "خط السيطرة الفعلية" شرق إقليم لاداخ الذي يتميز بأهمية استراتيجية للصين لربطه بين إقليمي التيبت وسنكيانغ - ويغور، المتمتعين بالاستقلال الذاتي، ولوفرة الموارد الاستراتيجية فيهما، حيث توجد ثروة ضخمة من النفط والغاز في أرض سنكيانغ وموارد مائية في التيبت، ومن شأن السيطرة على النقاط الاستراتيجية في شرقي لاداخ أن يسهل على حكومة بكين إحكام قبضتها على هذين الإقليمين، بجانب تعزيز "طريق تجارة الحرير" القديم. في خضم هذه الحالة، تعكف سلطات نيودلهي على مراجعة سياستها تجاه الصين التي تحمل عنوان "سياسة صين واحدة"، وتسعى نحو مهاجمة نقاط

الضعف الصينية في تايوان وإقليمي التيبت وسنكيانغ - ويغور في جنوب غربي الصين وغربها، وفي مستعمرة هونغ كونغ السابقة. وبالفعل، بدأت الهند خطوات سياسة دبلوماسية جديدة كبرى ومهمة بعيدا عن سياسة "صين واحدة" التي روجت لها وأكدت عليها بكين، شكلت تحولا لافتا عن السياسة التي لطالما اتبعتها التي تُعرف بنفورها من خوض المخاطرات، وتشتهر بدبلوماسيتها الناعمة:

* عينت في الفترة الأخيرة دبلوماسيا رفيع المستوى مبعوثا لها لدى تايوان التي تعتبر نفسها مستقلة في حين تصر الصين على أنها جزء من أراضي الصين الواحدة. كما دعمت انضمام تايوان إلى "منظمة الصحة العالمية" بصفة مراقب.

* اللعب ببطاقة التيبت التي تتسم بحساسية بالغة، والتي تشكل للهند في مواجهة الصين ما تشكله باكستان للصين في مواجهة الهند. فقد تعالت أصوات في الهند داعية الحكومة الهندية الى مراجعة سياستها تجاه التيبت والإعلان رسميا أنها أرض محتلة، وتقديم الدعم لقضية استقلال إقليم التيبت عن الصين.

* أطلقت حملة دبلوماسية ضد الصين من خلال التعبير عن مخاوفها بخصوص تداعيات قانون الأمن الوطني الجديد الذي مررته بكين على هونغ كونغ. وأثار سفيرها لدى الأمم المتحدة قضية قانون الأمن الوطني الجديد في الصين وتأثيره على هونغ كونغ، وكيف أنه يحد من حرية التعبير. وجاء البيان الهندي أمام الأمم المتحدة لافتا لكونه يمثل المرة الأولى التي تثير الهند فيها قضية هونغ كونغ، خاصة في خضم التظاهرات الضخمة المستمرة ضد الصين على الصعيد الدولي.

الصين ـ إيران: مصير العلاقات مستقبلا

سربت مؤخرا مسودة لاتفاقية شراكة بين بكين وطهران حملت مؤشرات مهمة عن مصير العلاقات الصينية ـ الإيرانية مستقبلا، ما أثار القلق في واشنطن وأجج المخاوف من احتمال أن ترسخ السياسة الخارجية الأميركية الصارمة تحالفا خطيرا بين قوتين بارزتين ومعاديتين للولايات المتحدة في شرق آسيا والشرق الأوسط. وتحدد هذه الاتفاقية إطار عمل يسمح بزيادة الاستثمارات الصينية في إيران (تصل قيمتها الى 400 مليار دولار على امتداد 25 سنة) وتكثيف التعاون الاستراتيجي بين الطرفين وضم إيران إلى "مبادرة الحزام والطريق" الصينية. التوقيع على هذه الاتفاقية وتنفيذها، يعني تنامي الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط، وتقوية تحالف الدول المعادية للولايات المتحدة. ولكن الصين ستجد صعوبة في الالتزام بوعودها الاستثمارية الضخمة، لأن العقوبات الأميركية ستبقى رادعا كبيرا أمام الشركات الأجنبية التي تسعى إلى دخول السوق الإيراني.

ستبقى المعارضة لأي شراكة صينية ـ إيرانية قوية في واشنطن بغض النظر عن هوية المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، لأن مقاربة الأمن القومي تشمل التصدي لبكين ومتابعة الضغط على إيران إلى أن يصبح التفاوض على اتفاق نووي جديد ممكنا بشروط أكثر إيجابية.

ترتكز مساعدة بكين لإيران على مبدأ المنافع الآنية. فقد كشفت تقارير عن دور الصين في تطوير منشآت نووية لصالح المملكة العربية السعودية، ولن تتخلى بكين عن النفط السعودي أو التجارة مع "إسرائيل" وتركيا.

باختصار: تعتمد الصين سياسات متعددة الأبعاد في علاقاتها مع الدول الصديقة والمنافسة لتشق طريقها الخاص نحو الزعامة العالمية.