ترامب بعد اللتيا والتي!
حسين شريعتمداري
نستهل التعليق على ما جرى الثلاثاء الماضي من التوقيع على مشروع صهيو ـ استعماري بين الكيان الصهيوني وحاكم ابوظبي وحكومة البحرين، بحكاية من تراثنا المعاصر؛ "كان في ساحة خراسان (جنوب طهران) ورشة سيارات للحاج عبدالله(ره) ومن هناك تنطلق ا لشاحنات المحملة بالبضائع والمركبات لنقل المسافرين صوب مدينة مشهد المقدسة، ونظرا لتهالك الطرق في تلك الايام وبعد الشقة، كانوا يجلبون شخصا كدليل للطريق وعارفا بشعابها. وذات مرة تبرع الحاج عبدالله ليرافق مركبة تقصد مشهد المقدسة كي حسب قوله ينعم بزيارة الامام الرضا(ع) وكي يقوم بخدمة زواره مسافة الحرب. وحينها تحركت المركبة ساعة الغروب مشفوعة بالصلوات على محمد وآله والدعاء بالسلامة. وعند منتصف الليل كان الركب قد حل بساحة احدى المدن وهي شبه خالية من الناس، فايقظ السائق الحاج عبدالله من رقدته في المقعد الخلفي للسيارة ليستعلموا موقعهم، فنظر الحاج عبدالله من زجاجة المركبة وبعد التفحص والتدقيق قال نحن قد وصلنا بلدة "كرمسار" (وهي تقع الى شرق طهران في الطريق الى مشهد) وارشدهم لتكملة المسير ثم خلد الى النوم مرة اخرى في مؤخرة المركبة. ولم تمض إلا ساعات حتى وجد السائق نفسه امام ساحة ثانية الا انها لا تخلو من المارة. فترجل السائق ليسأل احدهم؛ ما اسم هذه الساحة؟
فجاء الجواب من مستطرق إنها ساحة "خراسان"! فتساءل السائق مستغربا وأية خراسان هذه؟ فقال المستطرق: وهل توجد ساحة باسم خراسان غيرها؟! انها ساحة خراسان طهران! فتعجل السائق وهو مشحون بالغضب والعتاب ليوقظ الحاج عبدالله من نومه العميق، وقد سبق السيف العذل، وهو يدندن؛ بعد اللتيا والتي ها نحن نعود لنفس محل انطلاقتنا!"
وهكذا جرى اللقاء المرتقب يوم الثلاثاء الماضي في البيت الابيض الذي جمع وزراء خارجية الامارات والبحرين مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني "نتنياهو" ليوقعوا على إتفاقية التطبيع، إيذانا بمرحلة جديدة من العلاقات الدبلوماسية التي تتخللها مسيرة التسوية. وسبق ان تغنى ترامب لاشهر مضت بمشروعه للسلام!
معتبرا اياه مكسبا كبيرا لحكومته. واطلق على الاتفاقية اسم "ابراهام"، وقال متبجحاً، وهو يعلم انها اكذوبة؛ "لقد اجتمعنا اليوم لنغير مسار التاريخ. فبعد عقود من التقاطع والصراع نجرب فجرا جديدا من حياة الشرق الاوسط لنرسم مستقبلا وضاءا لشعوب المنطقة والتي يُعنى بها كل الاديان"!
العبارات "تغيير مسار التاريخ"! "فجراً جديداً من حياة الشرق الاوسط"! وبالتالي "السلام بعد عقود من التقاطع"! والتي اطلقها ترامب بمنتهى الحماس، لا تنجسم مع واقع الحال إذ لا توجد بين الامارات والبحرين ودول عربية اخرى عازمة على اللحاق بهذا الركب ليس اي مشاحنة مع الكيان الصهيوني وحسب، بل ان الحكومات المتربعة على هذه الدول لم تلعب خلال عقود سوى دور العبد القن لاميركا والكيان الصهيوني وتسابقت في حجز المقصورات الامامية للاستسلام من هنا فان خطاب ترامب الحماسي حول اقرار السلام وتدشين علاقات حميمة بين هذه الدول والكيان الغاصب لفلسطين، لا تنسجم مع واقع حالها اذ لم يكن لهم اي عداء مع الكيان الصهيوني ولم تفصلهم عنه التزامات ومبادئ كي يتبجح اليوم ترامب ويتفاخر بانه سبب هذا التقارب والسلام! إن اعداء الكيان الصهيوني هم شعوب المنطقة وقوى المقاومة، التي شحذت هممها اثر نكبة الثلاثاء الماضي باعداد ما استطاعت من قوة وعزيمة لازالة الكيان الصهيوني من الوجود، وكاشفة الغطاء الذي كان يخفي العلاقات السرية ويستر الاتفاقيات الباطنية، ولفتح الابواب امام مواجهة حاسمة ضد كيان الاحتلال الصهيوني.
وبالامس كتبت صحيفة "هاآرتس" الصهيونية مخاطبة نتنياهو؛ هل كنا في حرب مع الامارات والبحرين والسعودية و... كي تطلق على الاتفاق الاخير بانه اتفاق سلام وتطبيع للعلاقات؟!
فيما اعلنت قناة "كان" الاسرائيلية؛ منذ عقود وعلاقاتنا مع الدول العربية هي علاقات اخوية.
كما وقال الرئيس السابق للموساد؛ ان علاقاتنا مع البحرين تعود لخمسين عاما وتساءل مستغربا؛ عن اي اتفاق سلام وتطبيع للعلاقات يتحدث ترامب ونتنياهو؟!
رحم الله سائق المركبة، اذ حين التفت بعد ليلة وضحاها من قيادة مركبته، انه عاد الى نقطة البداية، وجه خطابه للحاج عبدالله معاتبا؛ لقد كانت جهودي ليوم وليلة هواءا في شبك!