kayhan.ir

رمز الخبر: 118621
تأريخ النشر : 2020September05 - 19:30

النفط والغاز: عنوان مواجهة تركية ـ أوروبية - عربية في المتوسط

سركيس ابوزيد

يتواصل التوتر في مياه المتوسط ويتصاعد الخلاف حول الغاز والنفط بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى. فقد أعلنت تركيا عن مناورات عسكرية في شرق البحر المتوسط، تلاها تحذير من حلف شمال الأطلسي "ناتو" من التصعيد، ودعت الولايات المتحدة كلا من أنقرة وأثينا إلى الحوار كما دعتهما ألمانيا إلى سحب سفنهما من المنطقة.

فرنسا من جهتها انضمت إلى مناورات عسكرية مع إيطاليا واليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط، وازداد التوتر بين أثينا وأنقرة ووصلت الأمور إلى حد الحشد العسكري المتبادل للطرفين، وحذر إردوغان الذين يدفعون اليونان إلى مواجهة البحرية التركية ولن يقفوا خلفها، في إشارة غير مباشرة إلى فرنسا.

حتى اليوم، لم ينجح الأوروبيون في التوافق على سياسة متشددة إزاء تركيا رغم إجماعهم على إدانة أنشطتها غير الشرعية في المياه القبرصية واليونانية. وبكلام آخر، فإن الإدانة البلاغية شيء والإجراءات العملية بحق تركيا شيء آخر. والسبب في ذلك الانقسامات في الصفوف الأوروبية، وليس أدل من ذلك التمايز الذي برز بشكل واضح في المواقف بين ماكرون وميركل، إذ ذهبت برلين إلى حد التنديد بإرسال فرنسا قوة بحرية - جوية لدعم اليونان وإصرار برلين على خفض التصعيد والحوار مخرجا من المشكلات الراهنة.

في الوقت الذي تستقوي فيه قبرص واليونان بعضوية الاتحاد الأوروبي وتستغل تركيا وجودها في حلف شمال الأطلسي، تبدو احتمالية المواجهة العسكرية بين اليونان وقبرص مع تركيا مستبعدة خاصة أن الأزمات الداخلية في الاتحاد تدفع إلى إرجاء أي أزمات جديدة.

توسعت نزاعات شرق المتوسط البترولية مؤخرًا مع تصاعد طموحات تركيا في عهد إردوغان. فقد تحدى أولًا الاكتشافات القبرصية، لكنه أخفق في ثني جمهورية قبرص عن إيقاف نشاطها البترولي. وساندت دول السوق الأوروبية قبرص (الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي). ثم تنازع إردوغان مع مصر حول حدودها البحرية مع قبرص. وردت الحكومة المصرية ببيان شديد اللهجة تحذر فيه تركيا من التدخل في شؤونها السيادية.

كما بادرت القاهرة الى دعوة مجموعة من الدول المصدرة والعابرة والمستهلكة لغاز شرق المتوسط للاجتماع في القاهرة، وتأسيس منتدى لغاز شرق المتوسط، وشاركت في الاجتماع التأسيسي مصر، وقبرص، و"إسرائيل"، واليونان، وإيطاليا، والأردن. وقد دعي لبنان لحضور الاجتماع، لكن بيروت اعتذرت لمشاركة "إسرائيل" في تأسيس المنتدى. بادرت تركيا منذ حينه بالتوجه نحو ليبيا، وعقد اتفاقات أمنية واستراتيجية مع بعض أطراف النزاع هناك، واتجهت مؤخرًا نحو حوض سرت النفطي العملاق في شرق ليبيا، مما صعد من احتمالات المواجهات العسكرية الجديدة (محليا وإقليميا ودوليا) في شرق المتوسط.

حققت تركيا نجاحًا اقتصاديا باهرًا خلال السنوات الأخيرة، لكن أنقرة واجهت مشكلة، وهي افتقادها حقول النفط والغاز. ورغم السواحل طويلة المدى لتركيا على كل من البحر المتوسط والأسود، لم يتم العثور على حقول بترولية، لكن تركيا استغلت تشييد السدود المائية الضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية، مما ساعدها على تلبية بعض حاجاتها من الطاقة، لكن ليس بشكل كاف. واللافت أن تركيا التي تعتبر واحدة من دول العبور المهمة للنفط والغاز من الشرق (روسيا، وآذربيجان، وكازخستان، وإيران والعراق) إلى الغرب (دول السوق الأوروبية المشتركة)، استغلت هذه المشروعات للعب دور الترانزيت، لكن لم تحاول استقطاع حصة وافية لها للاستهلاك المحلي من النفط والغاز الذي يصَدّر إلى الأسواق العالمية من خلال موانئها.

لكن مؤخرًا حصل تحول هام حيث أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اكتشاف أكبر حقل غاز طبيعي في تاريخ تركيا في منطقة البحر الأسود، لافتًا إلى بدء إنتاج وتوزيع الغاز على المواطنين وتصديره إلى الخارج عام 2023 الذي يشهد الاحتفال بمئوية الجمهورية التركية كما يشهد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في تركيا.

بخلاف معظم جوارها الإقليمي، فإن تركيا البلد الوحيد الذي يفتقر إلى موارد نفطية أو غاز طبيعي. وقد استعاضت تركيا عن ذلك، وهذا ما وفره لها موقعها الجغرافي الاستراتيجي لكونها منطقة عازلة - واصلة بين الدول المنتجة (إيران، روسيا، العراق، آذربيجان) والدول المستهلكة (أوروبا)، لتكون مركزًا لتوزيع ولمرور خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي من الشرق إلى الغرب. وبالفعل، تحولت خريطة تركيا خلال سنوات إلى شبكة عنكبوت لخطوط الطاقة من كل الجهات في اتجاه أوروبا. وسعت تركيا، في السنوات الأخيرة، لتكون أيضًا محطة مرور إلزامية وأقل كلفة للنفط والغاز الطبيعي المكتشف في شرق المتوسط. لكن الصراعات السياسية حالت دون ذلك، بل عملت الدول المنضوية في "منتدى غاز شرق المتوسط"، وهي مصر و"إسرائيل" وقبرص اليونانية واليونان وإيطاليا، لعزل تركيا بعدم دعوتها للانضمام إلى المنتدى. لكن الأكثر تهديدًا لطموحات تركيا كان مشروع بناء خط أنابيب "ميدإيست" من "إسرائيل" ومصر وقبرص إلى اليونان فإيطاليا بطول ألفي كلم وكلفة حوالى 8 مليارات دولار، لنقل الغاز والنفط المكتشفين إلى السوق الأوروبية، والذي تقّدر قيمته بثلاثة تريليونات دولار وتغطي حاجة أوروبا على ثلاثين سنة. وهذا كان من أهم أسباب الاندفاعة التركية في شرق المتوسط والتدخل في ليبيا وتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وحكومة فايز السراج، والتي تلحظ منطقة بحرية مشتركة بين تركيا وليبيا.

مع ذلك، فإن تركيا كانت تصب اهتمامها في أن تكون دولة نفطية كما في المتوسط كذلك في البحر الأسود حيث يمكنها التنقيب في حدود مناطقها الاقتصادية الخالصة فيهما.

رغبة تركيا الجامحة في أن تكون دولة نفطية كانت من عوامل التوتر في أكثر من منطقة، ولا سيما في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ولا ننسى أن واحدًا من أسباب الحرب على سوريا رفض دمشق أن تمرر مشروع خط أنابيب الغاز من قطر إلى تركيا فأوروبا عبر سوريا. وفي سياقات البحث عن دور في الطاقة لم تتردد أنقرة في نسج تفاهمات مع قوى ودول متناقضة ومتصارعة. فعبر تركيا تمر خطوط من إيران ومن العراق ومن آذربيجان ومن روسيا.

هذا الواقع جعل من تركيا دولة حائرة بين مصالح متناقضة وخيارات مصيرية تتراوح بين جسر تواصل أو حروب متنقلة.