المتوسط الملتهب: تنسيق سعودي مصري فرنسي ضد تركيا في لبنان؟
سركيس ابوزيد
تدور اشتباكات سياسية كلامية بين فرنسا وتركيا على أرض الأزمة الليبية. وماكرون ينبّه دائما الى المخاطر التي يمثلها الوجود التركي في ليبيا الذي لا يمكن القبول به، لأنه يشكل تهديدا لأفريقيا ولأوروبا، متهما تركيا بنقل مرتزقة متشددين من سوريا الى ليبيا. وردت تركيا باتهام فرنسا باعتماد نهج تدميري في ليبيا، والسعي لتعزيز الوجود الروسي هناك.
وترى باريس أن تركيا تتصرف بشكل غير مقبول عبر استغلال الحلف الأطلسي، ولا يمكن لفرنسا السماح بذلك. وترى أن النفوذ التركي يشكل تهديدًا استراتيجيا للمصالح الفرنسية والأوروبية على السواء، وأن تركيا، في حال نجحت في مشاريعها، فإنها ستجذّر حضورها في ليبيا، وستجعل منها منصة للتمدد باتجاه بلدان أخرى تشكل، تقليديا، مناطق نفوذ فرنسية. وستكون باريس، ومعها روما، الخاسرتين الأكبر لأنهما كانتا الأكثر حضورا أوروبيا في ليبيا.
وتعول باريس على الدور الأميركي. بيد أنها لا تعرف تماما ما تريده واشنطن، حيث هناك من يرى في الدور التركي وسيلة لصد عودة النفوذ الروسي إلى ليبيا وجنوب المتوسط. ويأمل الفرنسيون أن توضح واشنطن مواقفها لأنه من غير الدعم الأميركي سيكون من الصعب على الأوروبيين ثني أنقره عن خططها.
فيما تهتم أنقرة بـ"بقايا الحكم العثماني" في ليبيا، حيث قدمت لحلفائها مختلف أنواع الدعم، المالي والعسكري والسياسي، وجعلت منهم قوة لا يستهان بها. وهي قوة تنضوي تحتها رايات مختلفة من الفصائل المتشددة (أهمها تلك التي يقودها عبد الحكيم بلحاج، كان مقربا من أسامة بن لادن، يقيم في إسطنبول ويتنقل منها إلى ليبيا وأماكن أخرى، يحمل جواز السفر التركي، كما يملك شركة طيران تقوم بنقل المسلحين من سوريا إلى ليبيا). لا يخفي إردوغان، الذي أرسل جيشه إلى سوريا والعراق وليبيا والصومال وأفغانستان والبوسنة، دعمه بعض المتشددين تحت غطاء "الاسلاميين"، خاصة "في الأماكن التي وطئتها أقدام العثمانيين". وهو ما يعكس الجانب العقائدي لتحركاته، عله يحقق له مكاسب اقتصادية تساعده على تجاوز أزمته الاقتصادية والمالية الخطيرة.
وتعد الأوساط العسكرية، الأميركية والأوروبية، الطائرات التركية المسيرة المتواجدة بكثافة هناك سببا رئيسا في الانتصارات التي حققتها قوات حكومة "الوفاق". وهذه الانتصارات تسببت بتوترات جدية، أولًا بين تركيا وشريكتها في "الأطلسي" فرنسا، ومع روسيا التي اتهمها إردوغان أكثر من مرة بإرسال مرتزقة إلى ليبيا لدعم قوات حفتر. كما حركت هذه الانتصارات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي أعلن سرت - الجفرة خطًا أحمر لا يسمح بتجاوزه. ودفع ذلك القاهرة لحشد قوات كبيرة على الحدود مع ليبيا، وإرسال كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات إلى قوات حفتر. وقد تلقت مصر دعمًا من الإمارات وفرنسا والسعودية لموقفها في الأزمة الليبية.
لم ترتب تونس والجزائر من تدخلات تركيا في الفترة الماضية، على اعتباره نزاعًا ليبيا ـ ليبيا مدعومًا من أطراف خارجية متعددة. اليوم الخطر جدي، آخذتَين في الاعتبار أن تركيا لن تتوانى عن مد نفوذها للداخل لو حدثت اختلالات أمنية هناك.
يسأل البعض، لماذا يخاطر الأتراك بالحرب في منطقة بعيدة؟ جزء من استراتيجية تركيا، أن يكون لها نفوذ في منطقة شمال إفريقيا المهمة لأمن أوروبا، وجودها يمنحها نفوذا على دول الاتحاد الأوروبي، ويجبرها على القبول بمطالبها.
وسبق ورأينا كيف استخدم إردوغان، ملايين اللاجئين السوريين لفرض مطالبه السياسية والمالية على الأوروبيين. وهذا السيناريو سيتكرر عند سيطرته على ليبيا، وسيبتز الأوروبيين، ويهدد مصر وتونس والجزائر والسودان.
وتقول مصادر دبلوماسية مصرية إن فرص تغيير أنقرة لسياستها تجاه مصر تكاد تكون معدومة في ظل حكم الرئيس إردوغان، فيبدو أن العداء الذي يكنه لمصر مسألة لها أبعاد شخصية لا علاقة لها بمصالح. تركيا الحقيقية. وما يزيد من تعقيد الأمور هو وجود تيار في المجتمع التركي يبالغ في أهمية دور تركيا في النظام الدولي الجديد الجاري تشكيله، حيث ينظر إلى أن القوى الكبرى (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي وروسيا) تسعى إلى تحجيم القوة الصاعدة لتركيا التي يعتبرها التيار نقطة التوازن بين الشرق والغرب من جهة والشمال والجنوب من جهة أخرى، وارتباطا بذلك ينظر إلى العالم العربي كالفناء الخلفي الذي يمكن من خلاله لتركيا أن تشكل منصة للتصدي لتلك القوى. وهذا يعكس، وللأسف، عقلية استعمارية تحلم بإقامة العثمانية الجديدة. من هنا جاء الدور التركي لتوسيع نفوذه في المتوسط والعالم العربي خاصة في ساحتي اليونان ولبنان.
1 - نشهد حالة من التوتر بين اليونان وتركيا في شأن التنقيب عن الغاز. وقد شددت باريس على أن وجودها العسكري هناك يهدف إلى تأكيد التزام فرنسا سلامة الملاحة البحرية في البحر المتوسط واحترام القانون الدولي.
باريس اعتبرت على لسان ماكرون أن تركيا تنتهك سيادة قبرص واليونان بعمليات التنقيب كما أن باريس تعتبر تركيا عامل ضرب للاستقرار في ليبيا ومياه المتوسط، وهي تنتهك قواعد عمل الحلف الأطلسي، إضافة إلى أنها من أشد البلدان انتقادا للسياسة التركية في سوريا والعراق. تتجه انظار فرنسا نحو ألمانيا لمعرفة ما إذا كانت برلين ستنجح هذه المرة في وقف التصعيد بين الجانبين. ومن جهة أخرى، ترى باريس أن تجميد النزاع يفترض تدخلا أميركيا مباشرا، وهي تعتقد أنه سيحصل، حيث إن الرئيس الأميركي الغارق في معركة انتخابية غير محسوبة النتائج، لن يسمح بحرب في المتوسط بين بلدين حليفين نظريا وكلاهما يمتلك سلاحا أميركيا.
ولا ينتهي التصعيد عند الحدود اليونانية ـ التركية، بل له امتدادات قبرصية ومصرية وليبية وإسرائيلية. من هنا، تنتظر باريس موقفا أوروبيا واضحًا مما تعتبره تصرفا تركيا لا يمكن السكوت عنه، لأنه يضرب بالقانون الدولي عرض الحائط ويعتدي على حقوق عضوين في الاتحاد الأوروبي (اليونان وقبرص). لكن مسألة فرض عقوبات اقتصادية على أنقره ما زالت بعيدة المنال بسبب الانقسامات الأوروبية.
2 - من جهة أخرى، انضم لبنان مؤخرا الى خارطة النقاط الساخنة بين فرنسا وتركيا في المتوسط.. انكشف التنافس بينهما على الساحة اللبنانية بعد انفجار بيروت التي زارها على الفور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتبعه في اليوم التالي نائب الرئيس التركي ووزير الخارجية موفدين من إردوغان الذي لم يأت لأسباب أمنية.
ولكن إردوغان ّوجه انتقادًا عنيفًا لزيارة الرئيس الفرنسي وقال: إن لماكرون أهدافا استعمارية في لبنان، ووصف زيارته بـ"الاستعراضية"، وقال: ما يريده ماكرون هو عودة النظام الاستعماري في لبنان، أما نحن فلا يهمنا التقاط صور أمام الكاميرات، مؤكدا تواجد بلاده في لبنان انطلاقا من روابط الأخوة الأزلية بين البلدين.
رد الفعل هذا من جانب إردوغان هو انعكاس للتوتر الكبير المتصاعد مع ماكرون في المتوسط، كما يؤشر الى وجود تنافس على أرض لبنان، خاصة بعدما حصل انكفاء ملحوظ في الأنشطة السعودية والخليجية، فاستفادت تركيا وتقدمت لملء الفراغ... فهل يحصل تنسيق سعودي مصري فرنسي ضد تركيا في لبنان؟