الامارات مشيخة تتبدد والمقاومة قوية وتتمدد...!
* محمد صادق الحسيني
ان ما اطلق عليه الرئيس الاميركي، دونالد ترامب، اسم اتفاقية سلام تاريخية، بين مشيخة ابو ظبي و"اسرائيل "، قبل ايام، لا تتعدى كونها تهريجة سياسية تلفزيونية، لن تقدم ولن تؤخر في موازين القوى الميدانية، في كامل مسرح العمليات، الممتد من افغانستان شرقاً وحتى سواحل البحر المتوسط غرباً، الامر الذي يحدد قيمتها في كونها مناورة انتخابية اميركية، لصالح الرئيس الاميركي، ومحاولة يائسة لانقاذ بنيامين نتن ياهو من السجن المؤكد قريباً .
ان الاتفاقيات الدولية، او الاتفاقيات بين الدول، تختلف تماماً عن اتفاقيات العقارات، التي يتقنها ترامب، وذلك لان الاتفاقيات الدولية يجب ان تكون مطابقة لاحكام القانون الدولي، الناظمة لمثل هذه الاتفاقيات . وبالنظر الى الجهل الكامل للرئيس الاميركي بشؤون القانون الدولي وانعدام علم بن زايد بوجود هذا القانون اصلاً، كونه أُمي لم يكمل المرحلة الابتدائية من الدراسة، فلا بد من توضيح سريع لقانونية ما اعلن عنه ترامب .
1. ان اتفاقيات السلام تعقد بين اطراف او دول، كانت تمر في حالة حرب في ما بينها كانت قد اعلنت حسب الاصول القانونية المتعلقة باعلان الحرب . اي بعد ان تقوم دولة ما بتسليم سفير دولة اخرى قرارها باعلان الحرب على دولته، الامر الذي يصبح بعد وقف اطلاق النار نقطة الانطلاق في تحديد معالم اتفاقية السلام بين الدولتين .
وبالنظر الى انعدام هذا الشرط، في الحالة التي نحن بصددها، اي اتفاقية ترامب نتن ياهو بن زايد، فان هذه الاتفاقية باطلة اصلاً وليس لها وجود، في القانون الدولي، الامر الذي يجعلها ليست ذات قيمة ولا ملزمة لاي طرف كان على وجه الارض .
2. ان قانونية وشرعية الاتفاقيات، التي تعقد بين دولة واخرى، او بين دولة ومجموعة دول اخرى، او بين دولة وحركة تحرر وطني، كاتفاقية باريس، التي عقدت سنة ١٩٧٣، بين الولايات المتحدة الاميركية والحكومة المؤقتة لجنوب فيتنام، ان قانونية هذه الاتفاقيات تعتمد على قانونية الاطراف الموقعة عليها .
ففي حالة اتفاقية باريس، حول سحب القوات الاميركية من فيتنام، وقعت حكومة الولايات المتحدة الاميركية اتفاقية، مع حركة تحرر وطني، اكتسبت شرعيتها عبر قتالها لقوات الاحتلال الاميركي لجزء من اراضي فيتنام الوطنية، وعبر الدعم الشعبي اللامحدود، الذي مكَّنها من هزيمة الجيوش الاميركية في تلك الحرب واجبارها على الهروب معلقة على حبال الطائرات المروحية، في مشهد لا زال العالم يتذكره حتى الآن.
3. اما في حالة تهريجة ترامب، التي نحن بصددها، فان غياب اي اطار للقانون الدولي عن هذه الاتفاقية يجعلها باطلة، كما ذكرنا اعلاه، خاصة وان "اسرائيل" ليست دولة ولا هي حركة تحرر وطني قطعاً، وهي طبقاً لقرارات مجلس الامن الدولي رقم ١٩٤، الصادر بتاريخ ١١/١٢/١٩٤٨، والذي يربط قبول عضوية "اسرائيل" في الامم المتحدة بقبولها عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي هجروا منها، وهي التي لم تنفذ هذا الشرط ما يجعل عضويتها في الامم المتحدة عضوية غير قائمة اساساً ولاغية ولا وجود لها، طبقاً لقواعد القانون الدولي. وبالتالي فان كل ما تقوم به هذه المؤسسة الاستيطانية في فلسطين، باطل ببطلان او انعدام وجودها في القانون الدولي .
4. من هنا فان كل ما يتم الحديث عنه، بهذا الشأن، لا يغير من واقع الامر، في ان ارض فلسطين التاريخية كلها، هي ارض محتلة بالقوة، من قبل مجاميع استيطانية مسلحة، قادمة او مستجلبةً من كل انحاء العالم، ومدعومة من الاستعمار الاوروبي بداية والاميركي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم .
وهذه الحقيقة التاريخية، غير القابلة للتصرف رغم صدور قرارات سياسية تهدف الى التغطية عليها، هي بالذات ( الحقيقة التاريخية ) العنصر القانوني الاساسي الذي يشكل الارضية القانونية المطابقة للقانون الدولي، ليس فقط للمقاومة الفلسطينية، المستمرة منذ ما يزيد على مائة عام ( منذ سقوط القدس في يد الجيوش البريطانية بتاريخ ٣١/١٢/١٩١٧، للاحتلال والاستيطان، وانما هي ايضاً تشكل ارضية قانونية لكل عمل مقاوم لهذا الاستيطان الصهيوني، بغض النظر عن مصدر هذا العمل الداعم للمقاومة الفلسطينية، سواء كان مصدره ايران او لبنان او سورية او العراق او اي بلد عربي او اجنبي، لانه دعم يساعد على انفاذ القانون الدولي، الذي يعطي الشعوب حق مقاومة الاحتلال بكل الطرق والاساليب والادوات المتاحة او المتوفرة .
اما اذا انتقلنا الى دراسة تداعيات ما يسمونه اتفاقية سلام، بين مشيخة ابو ظبي و"اسرائيل "، فلا بد من الاضاءة بقوةٍ عل النقاط التالية :
أ)اقوال الرئيس الاميركي، ترامب، التي كررها اكثر من مرة، حول عدم نية بلاده البقاء في الشرق الاوسط الى الابد، وان على دول المنطقة ان تجد الطرق المناسبة لحل مشاكلها بنفسها . وهو ما يعني ان ترامب او خلفه يعلن، وان بطريقة غير مباشرة، عن انتهاء عهد المظلة الامنية الاميركية، التي كانت تشكل حماية لكل الدول الخدمية في الشرق الاوسط، وعلى رأسها" اسرائيل" .
اي ان هذه الاتفاقية يجب ان تشكل مصدر قلق حقيقي، لكل الكيانات الخدمية، وليس مصدر فرح كاذب ومخادع، سوف تكشف الايام والاسابيع القادمة زيفه وعدم واقعيته، كما ستؤكد الفحوص المخبرية، معارك الميدان، على انه حمل كاذب وليس حقيقي . الامر الذي سيزيد من خيبة امل الاطراف المشاركة فيه، بينما يسجل حلف المقاومة انتصارات جديدة حقيقية وواقعية وملموسة، على كل الجبهات، وليس آخرها جبهة الحصار المالي والاقتصادي والعسكري . وما شهدناه يوم امس الاول من اسقاط لمشاريع الولايات المتحدة، في مجلس الامن الدولي، لتمديد الحظر التسليحي على ايران، الا مؤشرا اولياً، على الرغم من اهميته الكبرى .
ب)ان رفع الغطاء الامني العسكري الاميركي، عن دويلة الاحتلال الاسرائيلي وعن مشيخة ابو ظبي، ورغم الدعاية السياسية التلفزيونية الفارغة لقوة "اسرائيل" العسكرية ولما قد يحصل عليه بن زايد من سلاح اميركي متطور، نقول ان رفع هذا الغطاء الامني يضع كلاً من الكيانين في مواجهة قدرهما المحتوم، الذي هو الزوال القريب .
حيث ان الكيان الصهيوني، وطبقاً لعشرات التصريحات والتحليلات العسكرية، التي اصدرها جنرالاته، وعلى رأسهم المفتش السابق للجيش الاسرائيلي، الجنرال اسحق بريك، فان "اسرائيل" تواجه خطراً وجودياً لاسباب عسكرية عدة، اهمها انهيار معنويات جيشها ومستوطنيها وفقدان روح القتال لديهم وعدم جهوزية قواتهم البرية للدخول في اية حرب، سواء على الجبهة الشمالية او على الجبهة الجنوبية ( قطاع غزة ).
فهل ستستعين "اسرائيل" بجيش ابو ظبي الجرار لتتمكن من تنفيذ مناورات برية كبرى، بقوات المشاة، لاحتلال ارض في غزة او لبنان او سورية! ؟ ولعل من المفيد للكيان تذكيره بان بن زايد يغرق في وحل اليمن منذ اكثر من خمس سنوات ولم يحقق اي نتيجة . كما ان من الضروري تذكيره بان ما يطلق عليه اتفاقية سلام تاريخية ليس سوى ايذان بتحويل مشيخة بن زايد الى ساحة حرب، ستكون قصيرة جداً لان حسمها لصالح محور المقاومة لن يستغرق اكثر من سويعات معدودة، ولن يكون بمقدور "اسرائيل" لا انقاذها ولا حتى تقديم العون لها، لان الله سيقضي امراً كان مفعولا .
ج)كما يجب ان نضيف الى ذلك ان الايذان ببدء الانسحاب الاستراتيجي الاميركي، من الشرق الاوسط، على الرغم من تصريحات قائد القيادة المركزية الاميركية، الجنرال كينيث ماكينزي، قبل ايام، حول نية قيادته ابقاء قواتها في سورية والعراق لفترة طويلة، نقول ان هذا الانسحاب سوف يشكل نصراً استراتيجياً جديداً لحلف المقاومة، الذي دعا لذلك دائما واتخذ قراراً استراتيجياً،بارغام الولايات المتحدة على تنفيذ ذلك، انتقاماً لاغتيال الشهيد القائد قاسم سليماني ورفاقه .
وسيكون لهذا النصر ابعاداً وتأثيرات دولية كبرى، خاصة على ميزان القوى الاستراتيجي الدولي وانعكاساته على تشكيل قيادة دولية متعددة الاطراف للعالم، وهو ما نرى اولى خطوات تشكُل اسسه القانونية، من خلال اتفاقيات التعاون المتعدد الجوانب، بين كل من ايران وروسيا وايران والصين وروسيا والصين وغيرهما من الدول .
د)اذاً، ومن خلال العرض اعلاه، يتضح لكل ذي بصيرةٍ ان اتفاقية ترامب / نتن ياهو / بن زايد / هي اتفاقية عديمة القيمة على الصعيدين، العسكري والسياسي، خاصة وانها اعقبت فشل حلقة كبرى من مخططات الحلف الصهيواميركي، والتي كانت تهدف الى اسقاط الدولة اللبنانية وزج لبنان في اتون حرب اهلية تمنع قوات حلف المقاومة من اداء واجبها القتالي على جبهات مسرح العمليات، في فلسطين وسورية ولبنان .
ان سقوط هذا المخطط، والذي كان انفجار ميناء بيروت حلقةً اساسيةً من حلقاته، رسم قواعدها بندر بن سلمان، عندما كان رئيساً لجهاز المخابرات السعودي سنة ٢٠١٣، وقيامه بالتخطيط والتمويل والاشراف اللوجستي، على شراء وتخزين حمولة نترات الامونيوم في ميناء بيروت، بالتعاون مع جهات محلية متنفذة ومدفوعة الاجر، وهي نفس الشحنه التي انفجرت في ميناء بيروت قبل ايام وسببت كارثة وطنية، جعلت من الضروري اعادة النظر في اسلوب معالجة هذا الملف الخطير وحسمه لصالح لبنان وليس باتجاه تبرئة مجرمين أياً كانت جنسيتهم .
هـ)ان حسم ملف تفجير ميناء بيروت لصالح لبنان وليس لصالح مجرمين يعني ان على الدولة اللبنانية، التعاون مع قوات حلف المقاومة، والعمل سوياً على ارضية القرار القضائي اللبناني لمعالجة الامر، وعدم الخضوع لابتزاز الاساطيل الحربية للدول الاستعمارية، التي تستعرض قوتها قبالة السواحل اللبنانية منذ ايام .
لقد سبق لهذه البوارج الحربية الاميركية، وعلى رأسها المدمرة العملاقة نيوجيرسي، ومعها سفن المارينز الاميركية، الى جانب مشاة البحرية الفرنسيين، ان نفذت عمليات انزال في سواحل بيروت، بحجة حفظ السلام في العام ١٩٨٣ فماذا كانت النتيجة ؟ خسائر بشرية هائلة اجبرتهم على الهرب مذعورين من لبنان .
ان مؤشر ميزان القوى الاستراتيجي، في المنطقة حاليا، يؤكد الحقائق الراسخة التالية :
•ان قوات حلف المقاومة جاهزة وقادرة، وتملك قراراً حاسماً، يقضي باتخاذ الاجراءات الضرورية التي تمنع اشعال فتيل حرب اهليةٍ في لبنان .
•ان قوات حلف المقاومة، ومن مواقع مختلفة، بما فيها اليمن، قادرة على تحويل مشيخة بن زايد الى رماد خلال ساعات، اذا تجاوزت الخطوط الحمر التي رسمها حلف المقاومة في الاقليم، حيث لن تحميه لا القواعد الأميركية ولا عملاء الموساد المنتشرين في مشيخته، منذ خمسين عاماً، حسب ما اعلن رئيس الموساد الاسرائيلي السابق /١٩٨٩ - ١٩٩٦ /، شباتي شافيت .
•كما ان قوات حلف المقاومة في اعلى حالات الجهوزية، لمواجهة اي طارئ، وعلى كل الجبهات في عموم انحاء مسرح العمليات من كل سواحل شرق المتوسط وصولا الى سواحل البحر الاحمر.
علماً انها قادرة على التعامل الهجومي مع القوات المعادية على اكثر من جبهة، او حتى على جميع الجبهات، وفي نفس الوقت . وهو ما يعني ان قوات حلف المقاومة تمسك بقوةٍ بزمام المبادرة الاستراتيجي وهي بالتالي قادرة على حسم المعركة وهزيمة قوات العدو، بمن فيهم مرتزقة بلاك ووتر وعملاء الموساد الاسرائيلي، الذين يحرسون اوكار محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، وباسرع مما يتوقع البعض .
بعدنا طيبين قولوا الله
والسؤال الكبير الآن، المركب والمتعاكس، هو:
ـ هل سيتمكن المعسكر الامبريالي ـ الصهيوني من "تحييد" لبنان عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وبالتالي تمكين "اسرائيل" من الاستفراد بالشعب الفلسطيني وطرده وتهويد فلسطين بالكامل، قبل الانقضاض من جديد لتأسيس دولة "اسرائيل الكبرى" من الفرات الى النيل، أم أن لبنان سيتحول الى القاعدة الرئيسية وطليعة المقاومة الانسانية، لتحرير شعوب العالم من مشروع الداعشية اليهودية المعادي للبشرية جمعاء؟