kayhan.ir

رمز الخبر: 114618
تأريخ النشر : 2020June26 - 21:12

انقسامات أميركية - اسرائيلية حول "ضم الضفة"


سركيس ابوزيد

اعتبارًا من أول تموز المقبل، ستباشر حكومة العدو تنفيذ المخطط الإسرائيلي لضم المستوطنات في الضفة الغربية ومنطقة غور الأردن الاستراتيجية. لذلك، ارتفعت حدة الضغوط الداخلية والدولية والإقليمية لمنع حصول ذلك، لأن مخطط الضم ينتهك مبادئ القانون الدولي الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ويهدد بتقويض عملية "السلام" القائمة على "حل الدولتين". يضاف الى ذلك وجود خلافات في الموقف والرأي داخل الكيان الاسرائيلي وتجاذبات انتخابية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة.

في "إسرائيل"، الخلافات عميقة وتنطوي على أسس أيديولوجية حينًا، وعلى انعدام الثقة حينًا آخر. رئيس حزب "كحول لفان" بيني غانتس يختلف مع نتنياهو حول حجم المناطق التي يؤيد ضمها لأسباب سياسية وأمنية، وهو لن يدعم فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق المأهولة بعدد كبير من الفلسطينيين، ولن يؤيد خطوة لا يوافق عليها قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ويعتبر أن هذه الخطوة تهدد العلاقات مع الأردن والولايات المتحدة، مشيرًا الى أنه قبل تنفيذ هذه الخطوة يجب أن تُطرح بالتفصيل أمام قيادات الجيش والمخابرات كي تعطي رأيها المهني بشأنها، وأنه يجب إيجاد وسيلة عمل مع السلطة الفلسطينية، وطرح خطوات لتحسين حياة الفلسطينيين كجزء من فرض السيادة عمليا.

وزير العلوم والتكنولوجيا يزهار شاي من حزب "كحول لفان" أيضًا، وجه انتقادات لاذعة لمشروع الضم، قائلا: "أعتقد أن الخطوات التي يدفع بها "الليكود" متسرعة جدا. صحيح أن خطة الرئيس دونالد ترامب خطة ممتازة، وتشتمل على كل العناصر التي نحتاجها من أجل سلام آمن مستقر ضامن لوجود "إسرائيل" لسنين طويلة بصفتها دولة يهودية ديمقراطية، إلا أن تطبيقها بشكل أحادي الجانب بتجاهل الفلسطينيين سوف يلحق ضررًا يصعب تصحيحه، وسوف يقوض الاستقرار في الشرق الأوسط.

مسؤولون في حزب "ليكود" الحاكم حملوا بيني غانتس ووزير الخارجية غابي أشكنازي مسؤولية إضاعة الفرصة الذهبية لتنفيذ الضم بدعم أميركي. واعتبروا أن موقف غانتس وحزبه سيتحول إلى كارثة لمعسكر اليمين، في حال فشل الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات المقبلة.

في الولايات المتحدة، وفي موقف يعكس الانقسام الحزبي الأميركي من قضية ضم مستوطنات الضفة الغربية، أعربت القيادات الجمهورية في مجلس النواب عن دعمها لخطة الضم. وقال هؤلاء، في رسالة موجهة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنهم يدعمون قراره كليا.

هذه التصريحات، أغضبت الديمقراطيين الذين سبق أن حذروا "إسرائيل" من أن أي قرار بضم المستوطنات سيؤذي العلاقات التاريخية بين الجانبين. وقد تزعم هذه المواقف زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الذي يعد حليفًا شرسًا لـ "إسرائيل" في الكونغرس. فقد عارض شومر خطة الضم بشراسة، معتبرًا أنها تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وتعرقل أي محادثات "سلام" محتملة. وتعاون شومر مع الديمقراطيين البارزين روبرت مننديز وبنجامين كاردن، وهما أيضا من حلفاء "إسرائيل"، لإصدار بيان معارض لخطة الضم، لأنها عملية أحادية ستهدد الاستقرار في المنطقة، وتؤذي مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة هناك.

تؤكد رسالة الجمهوريين مدى تفاقم الخلافات في الولايات المتحدة حول العلاقة مع "إسرائيل"، والذي تم التعبير عنه أيضا في استطلاع الرأي الذي نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، ويظهر أن ثلثي الأميركيين يعتقدون بضرورة إجراء مراجعة جديدة للعلاقات القائمة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل". وتثير هذه الخلافات قلقا لدى أوساط دبلوماسية إسرائيلية، إذ تعتبرها دلالة تغيير سلبي تجاه "إسرائيل". وقال المندوب الإسرائيلي الأسبق في الأمم المتحدة داني غيلرمان إن "الكنز الاستراتيجي لإسرائيل في الولايات المتحدة كان دائما وحدة الحزبين الجمهوري والديمقراطي في تأييدنا ودعمنا. وللأسف الشديد، فقدنا هذا الكنز في السنوات الأخيرة، وتحول التأييد لنا في السنوات الأخيرة من جانب حزب واحد، الجمهوري. وفرض الضم اليوم قد يفسر خطوة خاطفة بنظر الديمقراطيين، قبل 4 أشهر من انتخابات الرئاسة الأميركية".

وحذر غيلرمان من أن "تنفيذ مخطط الضم قد يعد صفعة للديمقراطيين الذين يمكن أن يصبحوا في الحكم خلال أشهر. ولأن الدعم الأميركي فائق الأهمية، فإن هدفنا الأعلى يجب أن يكون رأب الصدع مع أجزاء كبيرة من الجمهور الأميركي، وضمنه اليهود، وليس توسيعه".

فالجانب الأميركي بات يتحفظ على توقيت الضم بسبب الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة وموجة الاحتجاجات التي تشهدها المدن الأميركية، والتداعيات المقدرة على الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب الذي يسعى إلى ولاية ثانية، إذ إن مخطط الضم تحول بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى مادة سجال على عتبة الانتخابات.

المستجد الأميركي الذي أربك نتنياهو، هو اشتراط البيت الأبيض الإجماع الإسرائيلي. وفي مواجهة هذا الواقع المركّب، ينتهج نتنياهو تكتيك التلويح بالانتخابات للضغط على غانتس، فإن نجح الأول في تمرير ضم ولو جزئي، يكون قد أسس لمسار يعزز به موقعه مع أنه سيتعرض لانتقادات من اليمين المتطرف، وإن نفذ وعيده بانتخابات مبكرة على خلفية الموقف من الضم، يكون قد حدد عنوان الانتخابات ومحور التنافس فيها، على أمل أن ينجح بذلك في التفاف جمهور اليمين حوله لتحقيق ما يطمح إليه في الضفة. ووفق استطلاعات الرأي الحالية، يحرز "الليكود" ومعسكر اليمين الحليف له تقدما ملحوظا يمنحه تشكيل حكومة يمينية من حلفائه التقليديين، ما سيمنحه فرصًا إضافية على المستوى الشخصي والسياسي. وبطبيعة الحال، الذهاب إلى انتخابات مبكرة يعني أن تنفيذ الضم سيتأخر.

رغم ما سبق، يبقى سيناريو التأجيل حاضرًا، وهو ما تناولته صحيفة "معاريف" التي لفتت إلى الخلافات داخل الحكومة، والأمر ينسحب على إدارة ترامب. كما رأت الصحيفة أن الضم سيؤجل ولن يبدأ بحلول الشهر المقبل مثلما تعهد نتنياهو. في هذه الأجواء الملبّدة بالتقديرات والسيناريوهات المفتوحة، نقلت تقارير إعلامية إسرائيلية عن مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر، أن "إسرائيل" ستأخذ بالاعتبار تحذيرات مسؤولين عرب من تنفيذ ضم واسع، وأن هذه التحذيرات تشكل جزءا من الاعتبارات الإسرائيلية. من الواضح أن السيناريو الذي يلمح إليه هو الضم الجزئي الهادف إلى تلبية مطلب نتنياهو، بالاستناد إلى اقتناع بأن حلفاء واشنطن في المنطقة سيعملون على تحويل ذلك إلى إنجاز لهم.

لا خلاف على مبدأ الضم، لا في "تل أبيب" ولا في واشنطن، لكن يدور التجاذب حول توقيته وحجمه وسياقات تنفيذه وطريقة إخراجه: هل يكون ضمن سلة متكاملة تتضمن مفاوضات شاملة؟ وإلى أي حد ستؤخذ بالحسبان مخاوف الأردن والسلطة الفلسطينية؟ أم ستفرض الوقائع تدريجيا، على أن يضع ذلك السلطة أمام خيارين: الجلوس على طاولة المفاوضات انطلاقا من التسليم بالوقائع المستجدة، أو الرفض ليكون هذا ذريعة لتوسيع نطاق الضم مع تحميل المسؤولية لرام الله بتهمة تفويت فرصة التوصل إلى حل دائم. والحل الدائم ينتظر الانتخابات الاميركية والمساومات الاسرائيلية.