هذه هي مقاربة (ربح ـ ربح) وليست تلك!
حسين شريعتمداري
1 ـ الرد الذي أورده "جورج فريدمن"، مؤسس معهد ستراتفورد، واستاذ العلوم السياسية في جامعة "ديكينسون" لعشرين عاما، ومستشار الادارة الاميركية لشؤون الدفاع والامن القومي، على تساؤل مراسل صحيفة "يو اس أي تودي" الاميركية بخصوص السجال النووي بين ايران واميركا، كان كالآتي؛
لا تنحصر مشكلة اميركا مع ايران في القضية النووية، وإنما ما اثبتته ايران انها ليس من دون العلاقة مع اميركا وحسب بل حتى في وضعها العدائي لاميركا تتمكن ان تكون اكبر قوة عسكرية وتكنلوجية في المنطقة. وهذا ما لا تحتمله اميركا!
2 ـ قبل 17 عاماً ـ 11 تموز 2003 ـ، وإثر تعامل الوكالة الدولية الذرية ـ IAEA ـ بشكل غير قانوني، مع برنامج ايران النووي، ومقارنتها مع موقف الوكالةمن النقض الواسع لسائر الدول لمعاهدة (الحد من انتشار الاسلحة النووية ـ NPT)، كتبت مقالا تحت عنوان "ما المقلب الذي رسموه لنا" ؟!
قلت فيه؛ "ان الادلة والقرائن الواضحة تنذر بمؤامرة جديدة وخطيرة ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، خططت لها اميركا وحلفاؤها، باعمال النفوذ في اروقة الامم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتسخير تيار متزلزل في الداخل".
وقد تمت الاشارة في المقال لعشرات الامثلة لازدواجية تعامل الوكالة الدولية، مشفوعة بادلتها المنفصلة على هذا التعامل، حتى توصلنا الى ان؛ "نورد نماذج مبرهنة نشير اليها كغيض من فيض تعكس بوضوح حقد اميركا وحلفائها على ايران الاسلامية، والتماهي المشكوك وغير القانوني للوكالة الدولية في تنفيذ هذه المؤامرة". لنخرج بنتيجة مفادها؛ "لما كانت ارضية هذه المؤامرة تتمخض في حضور الجمهورية الاسلامية الايرانية في معاهدة NPT، فان الحل الوحيد والاكثر منطقية، هو خروج الجمهورية الاسلامية الايرانية من معاهدة NPT. وبالطبع فان اقل تردد في ضرورة الخروج من هذه المعاهدة هو اللجوء لفتنة اميركا واوروبا وتوطئة اوليات اضرار كبيرة في المستقبل القريب غير قابلة للاصلاح".
ان اقتراح الصحيفة (كيهان) ينسجم والمادة العاشرة من معاهدة NPT بشكل واضح. فقد جاء في هذه المادة؛ "اذا ما شخص أحد أعضاء المعاهدة ان الاحداث الاستثنائية المتعلقة بالمعاهدة تعرض مصالح البلد للخطر، فله الحق بالخروج من المعاهدة نزولا عند السيادة القومية لهذا البلد.
3 ـ وكان لمقال الصحيفة حينها اصداء واسعة لدى وكالات ووسائل الاعلام الاجنبية فقد وصفت وكالة الانباء الفرنسية، واسوشيتدبرس، ورويترز، ويونايتدبرس، وكيودو (اليابانية)، وقنوات موسكو التلفزيونية، وBBC، و الجزيرة، وسي بي اس، والكثير من النشريات الاميركية والاوروبية، وضمن تسليط الضوء على مقاطع من المقال (العمود الرئيس لصحيفة كيهان)، وصفت خروج ايران من معاهدة NPT بالمقلق للغاية، اذا ما وقع! كما اعرب أعداء ايران عن قلقهم من احتمال خروج الجمهورية الاسلامية الايرانية من معاهدة NPT دلل بوضوح ان اقتراح الخروج من المعاهدة بمثابة اطلاقة نحو الكعب العرجاء للعدو، ووأد المؤامرة التي يريد حياكتها!
الجدير ذكره ان بعض وكالات الانباء، وفي الاشارة الى توظيف اميركا لآلية الوكالة للضغط على ايران، اعتبرت اقتراح الصحيفة (كيهان) طبيعيا، لاسيما ان الخروج من NPT في المادة العاشرة للمعاهدة كان متوقعا واعتبر امرا مجازيا.
فقد كتبت "يونايتد برس" بهذا الخصوص؛ "ان شريعتمداري" في مقاله وفي اشارة الى حادثة هجوم اميركا على العراق، قد شدد على ان الاميركان في عام 1991 كانوا على ابواب بغداد، ولكن بسبب المعلومات الناقصة التي يمتلكونها عن قدرات العراق العسكرية وللحؤول دون تحمل خسائر فادحة في الارواح، اوقفوا العمليات التهاجمية. فكانت خطة اميركا حينها ان يتم انجاز جولات تفتيشية متكررة لمراكز العراق العسكرية، وان يقدم العراقيون على هدم هذه المراكز بانفسهم بذريعة تفقد اسلحة الدمار الشامل".
كما وثمّن مستشار الطاقة الذرية الروسية البروفيسور "ساشينا" وفي معرض الاشارة الى ان مقال صحيفة كيهان يسجل كوثيقة في اجتماع الاتحاد الاوروبي، ثمّن اقتراح "كيهان" حول خروج ايران من معاهدة NPT جراء ضغوط اميركا لدفع ايران القبول بالبروتوكول الاضافي وكسب معلومات عن قدرات ايران العسكرية.
4 ـ وتمخضت الجولة الاولى من المفاوضات النووية لايران مع الترويكا الاوروبية (فرنسا، بريطانيا، والمانيا) بعد ما يقرب من العامين عن اجتماع باريس، وتقرر خلال ثلاثة اشهر وفي الاجتماع القادم ان تعطي ايران ضمانة موضوعية لاوروبا، _OBJECTIVE GUARANTEE_ بانها ليست بصدد انتاج السلاح النووي، وفي المقابل تعطي اوروبا لايران ضمانة قطعية _FERM GUARANTEE_ ، بان القضية النووية قد اغلق ملفها! ولكن بعد ثلاثة اشهر وحين قدم فريقنا المفاوض الضمانات الموضوعية، قال الاوروبيون بصراحة ـ وبعبارة أدق بكل وقاحة ـ ان الضمانة الوحيدة تكمن في تخلي ايران عن نشاطاتها النووية! وليس ان يضلوا قلقين من طموحات ايران بالحصول على السلاح النووي! فهم كانوا بحاجة الى استمرار الجدال لتحرير آلية الحظر ومواجهة اصل وجود النظام، وبعد الرد الاوروبي أمر قائد الثورة المعظم ان تُستأنف جميع الانشطة المعلقة، وبدأت هذه الخطوة نحو العزة بأمر القائد من مصنع يو. سي. اف باصفهان.
واللافت ان صحيفة كيهان اعتبرت حينها سلوكيات الترويكا الاوروبية بغير القانونية والاستبدادية، اعتمادا على نص NPT ومعاهدة فيينا 1996، والتي موضوعها حقوق المعاهدات. الا ان الاخوة ادعوا (وبعبارة اخرى كانوا خائفين) ان يرحل الملف النووي الايراني الى مجلس الامن، فيما كانت الصحيفة تتوقع ذلك اعتمادا على وقع خطى الاوروبيين، بان يتم تحويل ملفنا النووي الى مجلس الامن الدولي وهذا ما حصل.
5 ـ ان حكاية المفاوضات النووية لحكومة السيد روحاني مع مجموعة (5+1) اكثر وضوحا من ذلك كي تم توضيحها، فالجميع يشهد ان السادة الخبراء في عملهم! قد سلموا الفرس بسرجه وقبضوا بدلا عنه اللجام المهترئ، فشهدنا الكارثة التي ادعوا انها فتح الفتوح.
وبالامس صادق مجلس الحكام للوكالة الدولية للطاقة على اقتراح الترويكا الاوروبية بقرار ضد ايران. وتذرعوا بمعارضة ايران لعمل مفتشي الوكالة والحؤول دون الوصول الى اماكن حسب ادعاء الكيان الصهيوني تنشط نوويا ولم يعلن عنها مسبقاً ! و... وفي هذا الموضوع اشارات؛
الف: صار الآن موضوع خروج ايران من خطة العمل المشترك ليس بغير المطروح وحسب بل من الامور المضحكة والصبيانية! اذ لا وجود لخطة العمل المشترك على واقع الارض اساساً كي تخرج منه ايران او ان تضل متمسكة به! وليت السادة قدموا لنا انموذجا واحداً لمكتسبات خطة العمل المشترك او اشاروا في الاقل لمثال واحد يؤيد بان خطة العمل المشترك ليست بصدد تضمين مصالح اميركا!
باء: ان حاجة البلد الملحة اليوم هو الخروج من NPT. الاجراء الذي وان تاجل كثيرا إلا انه سيحول من تراكم اضرار خطة العمل المشترك الكارثية، وسيصب لصالح البلد.
جيم: وسبق ان شددنا على ان خطة العمل المشترك هي وثيقة ذهبية بالنسبة لاميركا وهي ليست بصدد الخروج منها، فيما ادعى السادةبعد خروج ترامب من الاتفاق النووي، انه لو كانت خطة العمل المشترك لصالح اميركا فلماذا خرجت منها؟ وقد حجبوا اسماعهم عن مقولة السيدة موغريني، بان خروج ترامب من خطة العمل المشترك قد وقع حين قدمت الحكومة الايرانية ضمانة بعدم الخروج من خطة العمل المشترك! تأسيسا على ذلك فان اميركا قد حافظت على خطة العمل المشترك من جهة، ومن جهة اخرى هي تملصت من جميع تعهداتها حيال الاتفاق النووي. فمقاربة (ربح ـ ربح) هي هذه، وليس ما كانت الحكومة المحترمة تهتف بها، وان خروجنا من NPT سيحول المعادلة من ربح اميركا واوروبا من الطرفين الى خسارة لهما من الجانبين.