جورج فلوويد وثورة الوعي الشعبي الأميركي
محمد وناس
بعد نهاية الحروب الصليبية التي استمرت 400 عام . تشكلت في اوربا قوى مختلفة الولاءات ومتقاطعة احيانا تتحالف او تتقاتل بحسب المصالح وبحسب نزوات الحكام .
وبحكم ان اغلب هذه القوى هي نتاج الحروب الصليبية فان تنظيمها مبني على بنية عسكرية الامر الذي اجبرها على البحث عن موارد لإدامة جيوشها مستغلة الكنيسة بطريقة او بأخرى بعنوان التبشير للمسيح ايجاد الخلاص للشعوب الهمجية وادخالها في فلك الكنيسة . .
المملكة الاسبانية واحد من اكبر الكيانات الاستعمارية على طول التاريخ التي استخدمت التبشير كوسيلة لاستعباد الشعوب ومن ثم لحقتها بريطانيا وفرنسا في هذا المجال .
استطاعت اسبانيا ان تهيمن على القارة الأميركية الجنوبية وأميركا اللاتينية وجزء كبير من أميركا الشمالية . وكل مدينة يفتحها الاسبان او يشيدوها في الارض الجديدة كانوا يقيمون تمثال لفاتحها او بانيها . ومن يزور أميركا الجنوبية اليوم يشاهد هذا الشي واضح في معالم كل مدن أميركا الوسطى والجنوبية .
الولايات الجنوبية من أميركا ( كالفورنيا، نيومكسيكو، اريزونا تكساس ) في حقيقتها ولايات ذات طابع مكسيكسي ( اسباني ) حتى ان اللغة الاسبانية هي الاكثر تداولا في اغلب مدن هذه الولايات . وفيها توجد نصب وتماثيل لقاده وفاتحين اسبان واوربيين ( من العرق الابيض).
وهذه الولايات من اكثر الولايات الاقطاعية في التاريخ الأميركي وتحت كل اقطاعية عدد هائل من العبيد المستخدمين في زراعة القطن .
تاسست شركات كبيرة مهمتها جلب العبيد من افريقيا وهذه الشركات في غالبها انجليزية عامودها الفقري المرتزقة ( من المحاربين الأوربيين الذين فقدوا أعمالهم بعد انتهاء عصر الاستكشافات الجغرافية ) الذين يغيرون على القبائل الافريقية ويخطفون ابنائهم ليبيعوهم كعبيد في أميركا .
انفصلت أميركا عن بريطانيا بعد حروب طويلة . وكتبت وثيقة الدستور الأميركي من قبل الاباء المؤسسين الذين هم في الحقيقة مجموعة اقطاعين يمتلك كل واحد منهم مئات والاف من العبيد، لم تتغير النظرة نحو هذه الطبقة . مع ان وثيقة الدستور فيها الكثير من التشريعات التي تدعوا للمساوات والعدل بين البشر . والحقيقة ان المشرعين الاوائل ( او كما يطلق عليهم الاباء المؤسسين ) وضعوا هذه الوثيقة كعملية ضبط للسلطات في ما بينهم . وكنتاج لبقايا الفكر الصليبي والعقيدة الاستعمارية التي ورثوها من الفاتحين الاوائل للعالم الجديد لم يكن في مخيلتهم او تفكيرهم اي اعتبار للأعراق الاخرى ولم يعيروا لها اي اهمية . مع ان كانت وثيقة الدستور لم تحدد او تصنف الناس بحسب العرق او الدين .
بعد الحرب الاهلية وبعد التشريعات التي عطت للعبيد حريتهم بقيت تماثيل ونصب المستعمرين الاوائل . والاقطاعين . والقتلة الذين اسسوا شركات الاتجار بالعبيد، بقيت نصبهم واقفه شامخة في اكبر الميادين والساحات وتحظى باهتمام الحكومة . وبقيت المناهج الدراسية تمجد هؤلاء المجرمين غير ابهه بكل الاعراق التي استعبدها واذلها هؤلاء . وبقي الطابع الثقافي لهذه المجتمعات يمجد هؤلاء الفاتحين ويعطيهم صفة الابطال والفرسان .
ما يحصل الان في أميركا بعد احداث قتل جورج فلويد من تهديم ورفع للتماثيل هذه هو في الحقيقة ثورة فكرية يعيشها الشعب الأميركي وانتفاضه في الفكر الشعبي للمواطن الأميركي ضد عقلية المتطرفين الاقطاعين الذين ما زالوا الى اليوم يديرون الحكم في أميركا وثورة لبث الروح الحقيقية في وثيقة الدستور الأميركي التي غيبها العقل العنصري عن الواقع الحقيقي .