kayhan.ir

رمز الخبر: 113770
تأريخ النشر : 2020June08 - 21:18

العراق ومخاطر العاشر من حزيران!


سعد الله زارعي

تعترض المفاوضات بين بغداد وواشنطن الاربعاء القادم ـ العاشر من حزيران ـ والتي تحض عليها اميركا منذ فترة، علامات استفهام اساسية؛ فقبل كل شيء ما هو الموضوع الذي تنحصر فيه المفاوضات؟ واي شيء يربط هذه المفاوضات بالاتفاق الامني المبرم عام 2008 بين جورج بوش ونوري المالكي؟ كما وما الذي يربط هذه المفاوضات مع قرار مجلس النواب العراقي في كانون الثاني هذا العام والذي ينص على اخراج القوات الاميركية من العراق؟ واخيرا ما هي الفرص والتهديدات التي ترافق المفاوضات، سواء للجانبين او لدول جوار العراق لاسيما الجمهورية الاسلامية الايرانية؟

هنا نستعرض بعض النقاط الضرورية حول الموضوع:

1 ـ فانتخاب العاشر من حزيران من قبل الوفد الاميركي، ليس اعتباطيا، فهو اليوم الذي سقطت فيه مدينة الموصل على يد تنظيم داعش عام 2014، المناسبة التي لما تذهب مرارتها من مذاق المواطن العراقي والحكومة العراقية، ويؤرقهم نذير شؤمها. وفي الحقيقة هناك ارتباط بين التهديد بعمليات ارهابية وهذا الاتفاق السياسي. فمن وجهة نظر الجانب الاميركي ينبغي على الوفد العراقي ان يختار بين تقديم التنازلات السياسية للجانب الاخر وبين تحمل الاضرار والضغوط الناجمة من العمليات الارهابية.

واللافت هنا هو عدم وجود اثنينية بين اميركا والارهاب التكفيري الذي ضرب البنى التحتية العراقية واضر بالشعب العراقي منذ 2014 الى 2017. اذ ان تنظيم داعش قد اوجده الجيش الاميركي وقد وثقت ادارة ترامب ذلك. ولو امعنا النظر لهذا المشهد لتوصلنا الى ان الجانب العراقي قد حشر بين خيارين؛ العلاقة مع "اميركا والارهاب"، والعلاقة مع "ايران والامن". واذا نظر العراقيون الى هذا المشهد بعدالة فعليهم ترك طاولة التفاوض مع اميركا كي يسلبوا من اميركا فرصة اي عمل ارهابي. بينما نجد الجانب الاميركي وكما عهدناه بتلفيق الاكاذيب يسعى لحذف ايران من المفاوضات واخراجها من ادبيات حوار الجانب العراقي، لتبقى الامور ضبابية وان خلاص العراق وامنه وسيادته في الاتفاق مع اميركا وحسب.

2 ـ ان طاولة المفاوضات ليوم غد الاربعاء قد نظمت بطلب وادارة الجانب الاميركي، واذا استمرت الامور كما هي سيشترك الجانب العراقي بشكل مضطرب في المفاوضات، وبالتالي سيوقع على اتفاق ليس لا يحل اي مشكلة من مشاكل العراق وحسب بل سيتحول الى "ام المشاكل" بالنسبة للعراق. فالاتفاق الجديد يبتني على استمرار الحضور العسكرية الاميركي في العراق، وهذا الحضور هدفه تاطير علاقات العراق الخارجية وحرمانه من اي اتفاق امني مع اهم سند اقليمي للعراق، وهذا سيخلق عراقا ضعيفا ليتحول بالتالي الى لقمة سائغة بالنسبة لانظمة مثل اسرائيل والسعودية والامارات و... ويكون معرضا لمخاطر جادة. كما ان هكذا اتفاق سيكون بالضرورة سبب حرج لايران، ويدفع الجمهورية الاسلامية الايرانية لترصد باستمرار ـ لاجل رعاية امنها القومي ـ ترصد عدوتها المتعارفة اي اميركا التي ستقبع في العراق، وهذا الامر ينبغي ان لا يخلق عتباً لدى الاخوة العراقيين.

3 ـ ان الاميركيين الذين يعلمون جيدا بان العراقيين في الوقت الحاضر وبعد العبور الناجح من الازمة الامنية الكبيرة لسنوات خلت، لا يشكون من حراجة وضعهم الامني، ويقيمون قدراتهم جيدا امام هكذا تهديد ـ وهو ما يسجل للعراق حقا من قدرة عسكرية امنية ـ يضعون (اي الاميركان) على طاولة المفاوضات غداً الاربعاء حزمة تشمل مجموعة من الاقتراحات الاقتصادية والسياسية والامنية والصناعية والمالية و... الا ان الرؤية الاميركية جلية من هذه المفاوضات ان تبيع على العراق بثمن باهظ ما لا اهمية له في موضوعه ولا تدخل سلم الاولويات.

ان اميركا بصدد اتفاق بحلة اقتصادية ولكن باطنه امني ـ عسكري، ويهدف الى توفير الامن للقوات العسكرية الاميركية في العراق، وتثبيت حضورهم الدائم. ويمكن ان تعلن اميركا غداً الاربعاء ضمنيا خروجها من العراق ـ اي نزولها عند قرار مجلس النواب العراقي ـ ولكنها في الحقيقة هي بصدد كسب الوقت حتى يموه هذا القرار ـ المصادق عليه من قبل مجلس النواب ـ من برنامج حكومة مصطفى الكاظمي. واذا حاول الجانب العراقي ظنا منه بتاخير تنفيذ قرار البرلمان بحل او تقليل المشاكل الاقتصادية، والتي تفاقمت مؤخرا بسبب تراجع اسعار النفط وتراجع تصديره من جانب، والتاثيرات الاقتصادية التجارية لوباء كورونا من جانب آخر، فهو في مأزق فاحش. اذ ان الاميركان لا يملكون اي نية لتحسين الظروف الاقتصادية للعراق، وما خطط من قبل اجهزة المخابرات بعنوان آفاق العراق 2030، يعزز الموضوع، هذا اولا. وثانيا ان اميركا ليست في وضع اقتصادي مناسب كي تنفق على حفظ العراق. وثالثا فان صادرات العراق من النفط قد قيدت، ومتى كانت اميركا بصدد تنظيم صادرات او اسعار النفط لدولة ما كي تكون الان مهتمة بالعراق؟

4 ـ ومن وجهة نظر اميركا فان العراق ومن يوم غد الاربعاء سيدخل في فضاء جديد، ومن وجهة نظرهم هو بداية انعطافة ستراتيجية للعراق تحوله لقوة اقليمية او ان يكون محورا في هيكل اقليمي بقبوله الانضمام لبروتوكول اميركي غربي. ان اميركا تظن ان ما يدفع العراق لطاولة المفاوضات هو هلعه من المستقبل بعجزه عن ادارة بلده اقتصاديا وانهيار البلد بانهيار اقتصاده. من هنا فان اميركا ركزت في دعاياتها السياسية على المشاكل الاقتصادية في العراق وسبل النهوض بها. وان ما تصب المحافل الاميركية جل اهتمامها عليه، هو ان يقلل العراق في تعاملاته الاقتصادية مع ايران ويكتفي بالعلاقات السياسية الدينية. وهذا ما شاهدناه خلال العام الفائت من خلال ترويض الحكومة العراقية بجدول زمني مناسب ولكنه مستمر كي يقلل من علاقاته مع ايران.

5 ـ إن اميركا ترى في العراق المرتكز الاساس لشيعة المنطقة من العرب وغير العرب، وتحويله بالقوة الى "مجتمع سياسي مؤثر" مما يحول دون وصول اميركا لاهدافها.

على هذا فان الهيمنة على العراق بمثابة هدف ستراتيجي لاميركا وهذه الرؤية يشترك فيها الاوروبيون (وحلف الناتو)، والصهاينة، والسعوديون، وحتى تركيا والاكراد. وفي الحقيقةفان اميركا ـ حسب ظنها ـ تريد تحويل الحكومة العراقية الى هدف ستراتجي شامل، وتسعى من خلال ذلك انعاش قدرتها، واعادة هيكلة انظمة متهالكة مثل اسرائيل. فمفاوضات غد الاربعاء من وجهة نظر اميركا منصة لارقاء مكانة اميركا واسرائيل وحليفاتها العرب في المنطقة. وبالطبع ـ وعلى العكس مما تظن اميركا ـ فان حائط العراق حاليا على درجة من الشفافية بحيث يعري وجوه الخونة وبالتالي سيمنع من تحقيق الخيانة.

والامر الاخر الذي نعرضه بكل أسى هو ان تيارا سياسيا معروفا والذي ركز على معالجة قضية ايران مع الغرب وجعله من اولى ستراتيجياته، وقبل لنفسه بيع كرامة واستقلال ومصالح البلاد لاعداء الشعب الايراني، قد سعى في الاشهر والاسابيع الماضية من خلال تواصل دائم مع بعض زعماء شيعة العراق، ليدفعهم نحو التفاوض وتقديم التنازلات وبالتالي تغافل قضية اخراج القوات الاميركية من العراق.

فمن وجهة نظر هؤلاء، يمكن للعراق لمكانته الحساسة في المعادلة الاقليمية، ان يكون نقطة شروع "الانعطافة المفروضة" كي تغير ايران من سياستها الاقليمية. ان هذا طبعا مصحوب بأماني جوفاء. فالتفاوض مع اميركا والاتفاق معها ليس بمثابة احجية كي لا تعرف اهدافه ونتائجه. فشعوب المنطقة تدرك جيدا اليوم، انه حين تكون اميركا طرفا في تفاوض فان طاولة التفاوض تتحول الى ساحة حرب يقصد منها ارضاخ الطرف الاخر وسلب جميع راسماله.