kayhan.ir

رمز الخبر: 111763
تأريخ النشر : 2020May01 - 20:43

الوباء بدأ يغير الحرب على سوريا.. كيف؟


سركيس ابو زيد

تواجه سوريا منذ تسعة أعوام حربا عالمية عليها ذات أبعاد متعددة: أولًا، حرب احتلال اسرائيلية أميركية تركية. ثانيًا، حرب تدمير تكفيرية رجعية اطلسية. ثالثًا، حرب عزل بالعقوبات والحصار، ومؤخرًا تواجه خطر انتشار جائحة "كورونا".

شكّل الوباء مدخلًا جديدًا لضغوطات وتفاهمات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يبحثون عن فرص الإفادة منه للوصول إلى اختراقات سياسية وتبدلات وتغيرات في أسلوب ووجهة الحروب على سوريا بعد التحولات الأخيرة في الميدان والخيارات الدولية.

انتشار الفيروس في سوريا يثير مخاوف صحية في ظل دمار المستشفيات ومنظومة الرعاية الصحية والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المروعة. اضافة الى الظروف المتردية للعديد من المدن السورية التي تعرضت للدمار وفقدت الخدمات الصحية الأساسية والبنية التحتية فضلًا عن الصعوبات التي تواجهها الموازنة والعقوبات الدولية التي تحرم الحكومة من إشراك المؤسسات الدولية في توفير الدعم والخبرات المطلوبة.

يشكل النازحون قنبلة موقوتة، غالبيتهم نساء وأطفال يقيمون في خيم مكتظة أو في مخيمات مؤقتة، وتعتبر بيئة خصبة لتفشي وباء "كورونا". والنازحون هناك يعيشون ظروفًا معيشية قاسية، ما ينذر بكارثة صحية في حال دخلت الجائحة هذه المناطق. وتُضاف الى ذلك الأزمة الاقتصادية التي تصاعدت في الأشهر الأخيرة وزادت حجم الفقر والفقراء، جراء استمرار الحرب والعقوبات الخارجية، وتدهور سعر صرف العملة السورية.

تغيرات في الخيارات أو في الأسلوب الى جانب خطر تفشي الوباء بدأ المسرح السياسي يشهدها:

- بدأت واشنطن شن حملة دبلوماسية مضادة لمنع الحكومتين الروسية والسورية من الإفادة من وباء "كورونا" في فك العزلة السياسية المفروضة على دمشق وتخفيف العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية عنها، في وقت برزت فيه أصوات أوروبية تقترح مقاربة مرنة ودعم مسار خطوة - خطوة بين دمشق والغرب.

- يعتبر مسؤولون غربيون، أن النظام السوري يشن حملة ممنهجة بدعم روسي لاستغلال وباء "كورونا" كوسيلة لتخفيف العقوبات المفروضة عليها.

- تتبلور ملامح استراتيجية أميركية تجاه سوريا تتضمن سلسلة من الإجراءات العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والتشريعية لوضع النظام في صندوق العزلة لسنوات، على أن يكون منتصف حزيران المقبل موعدًا فاصلًا في ذلك، جراء بدء تنفيذ "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات صارمة على أي جهة سورية أو غير سورية تساهم في عملية الإعمار قبل التوصل الى حل سياسي متوازن.

- في السلة الأميركية رزمة اجراءات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وعسكرية للضغط على سوريا، منها استغلال تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان من أجل خفض قيمة الليرة السورية، وتراجع الجانب المعيشي.

- سياسيا، ستواصل واشنطن علاقاتها مع المعارضة السياسية، والاتصال مع النازحين واللاجئين السوريين لتوحيد صفوفهم، إضافة إلى التنسيق مع الدول الداعمة لـ"المعارضة"، ضمن المجموعة التي تضم أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والأردن ومصر. وفي السياق الدبلوماسي، تواصل واشنطن اتصالاتها العلنية والدبلوماسية مع دول عربية وأوروبية لمنع التطبيع السياسي والدبلوماسي مع النظام.

-عسكريا تجمع أميركا سلة من الضغوطات، تشمل البنود التالية:

الأول: استمرار الوجود العسكري شرق الفرات برا، والحظر الجوي لدعم حلفاء واشنطن في "قوات سوريا الديمقراطية"، ومنع قوات الحكومة من السيطرة على هذه المناطق، وحرمانها من الموارد الطبيعية، من نفط وغاز ومحاصيل زراعية وسدود للمياه والطاقة.

الثاني: استمرار بقاء قاعدة التنف لقطع طريق الإمداد بين طهران ودمشق، وتقديم دعم لوجيستي للعمليات الخاصة الإسرائيلية .

الثالث: تقديم دعم استخباراتي ودبلوماسي لتركيا في مناطق نفوذها، ومواجهة قوات الحكومة وروسيا في إدلب، والبحث في إمكانية الاستثمار في الفجوة بين موسكو وأنقرة جراء إدلب.

الرابع: مباركة الغارات الإسرائيلية على دمشق وجوارها، لتقويض "النفوذ الإيراني" في سوريا.

الاتجاه الغربي

يمسك الجانبان الأميركي والأوروبي بوجود خمس أوراق ضغط:

1- المساهمة في إعادة إعمار سوريا.

2- التطبيع مع دمشق وشرعنة النظام.

3- العقوبات الاقتصادية.

4- الوجود العسكري للتحالف بقيادة أميركا في شرق الفرات.

5- السيطرة على الموارد الاستراتيجية من نفط وغاز وثروات.

الاتجاه الغربي حاليا هو الإمساك بهذه الأوراق حتى تغير دمشق سلوكها بضغوطات من موسكو. الجديد هنا، أن الوجود العسكري الأميركي بات متجذرا في عقل الرئيس دونالد ترامب أكثر من أي وقت مضى لأجل امتلاك النفط وحمايته والدفاع عنه.

التوقعات الغربية، أن المسار المقبل نحو دمشق هو تصعيد الضغوط وليس تخفيفها. عمليا، يعني ذلك بطء مسار التطبيع العربي الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي، الثنائي والجماعي. تردد رجال الأعمال العرب في المساهمة في مشاريع الإعمار وتريث فتح خطوط الحركة البرية والجوية إلى دمشق تخوفا من العقوبات، وحذر دول أوروبية من تسخين الطريق إلى دمشق (كانت هنغاريا وقبرص أعلنتا نية استئناف النشاط الدبلوماسي وألمحت روما إلى حوار مع دمشق).

الاتجاه الروسي

تعمل روسيا على مسارات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية لتعزيز حضورها في سوريا، وهي تراهن على الوقت والإمساك العسكري بالأرض لتغيير الوقائع.. وتستغل مواعيد أميركا مع الانتخابات الرئاسية نهاية العام وتحديات أوروبا الداخلية بفعل الهجرة والإرهاب والانقسامات.

هناك حملة دبلوماسية روسية للتطبيع مع أوروبا، وإعادة دمشق إلى "العائلة العربية"، والإفادة من قرب موعد الانتخابات الرئاسية السورية في عام 2021.

أما التعاون الروسي ـ الأميركي، فإنه لم يؤت ثماره سوريا في الإطار السياسي، باستثناء منع الصدام العسكري مع أميركا، وغض الطرف عن القصف الإسرائيلي.

من الواضح أن مؤيدي الحل السياسي في سوريا يرون أن الفرصة مؤاتية لانتزاع تنازلات جيوسياسية من دمشق تخص المسائل الشائكة منها تقليص "النفوذ الإيراني" أو التوغل التركي أو التركيبة السياسية الداخلية تحت وطأة انتشار "كورونا".

لقد باتت سوريا تسبح بين ضفتين: الأولى، هبوب رياح تقارب سياسي من البوابة الإنسانية، الأخرى، استمرار الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. قد تختلف أهداف الطرفين من الضغوط أو الإغراءات، لكنها تتفق إلى حد كبير في أولوية مطالبة دمشق بالابتعاد عن طهران وتقديم تنازلات سياسية داخلية.

تحديات سورية روسية

راجت في الآونة الأخيرة تساؤلات حول موقف سوريا وروسيا من مسائل خلافية ملتبسة ومستجدة يجري حوار صعب حولها قبل حسم الخيارات المشتركة، منها:

- مواصلة دمشق الرهان على الحل العسكري ومواصلة القتال، حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية بما لا يتناسب دوما مع توجّهات موسكو .

- "عناد" الرئيس الأسد وعدم موافقته على تقديم تنازلات سياسية، لكسب تأييد الأمم المتحدة لإعادة انتخابه في العام المقبل 2021. كما يستمر الخلاف بين الحليفين حول إعادة صياغة الدستور السوري الجديد.

- محاولة دمشق عرقلة الاتفاق الروسي التركي حول إدلب، بينما تؤكد موسكو التزامها بالاتفاق مع تركيا وتعرب عن ارتياحها لقيام تركيا بخطوات عملية في طريق تنفيذ الاتفاقات.

اكتفت موسكو حتى الآن بإرسال إشارات للقيادة السورية، ولكن لا يمكنها التخلي عن الرئيس السوري، لأنه لا يوجد حليف آخر مناسب لها في سوريا. وهكذا حافظت روسيا على الستاتيكو القائم، أي دعم الأسد رئيسًا، والدولة السورية في مناطق سيطرتها، ومن جهة اخرى تعزز التوافق مع تركيا. هذا التسليم الروسي بالدور التركي لا يختلف في الحقيقة عن التسليم الروسي بالدور الإيراني في دمشق، والدور الأميركي في المناطق الشرقية. وعلينا ألا نغفل أيضًا شبه التفاهم مع الكيان الاسرائيلي. وليس خافيا أن موسكو مرتاحة في إدارتها للعبة وتوازناتها، خاصة مع تعذر التوصل إلى حل حاسم جدي للانطلاق بحملة دولية لإعمار سوريا، وإعادة المهجرين التي باتت متعثرة وأكثر صعوبة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية لا سيما المستجد منها بسبب جائحة "كورونا". وأقصى ما تهدف إليه موسكو هو التزام كافة الأطراف بالخطوط المرسومة لها، بانتظار التسوية عندما يحين أوان "صفقة رابحة".

هل سيكون الوباء مدخلًا انسانيًا لحلول عجزت عنها المعارك العسكرية، أم سيكون حربًا جديدة تضاف الى الحروب العالمية التي تشن على سوريا؟