القضاء السعودي “داعشي” : اتهامات معلبة واحكام “حنبلية”
علي عوباني
"العدل مفقود والحكم غير مسنود” هذا هو حال القضاء السعودي، قضاء "داعشي” اشبه بالمحاكم الشرعية للتنظيمات الارهابية المسلحة، ومحكمة "نورنبيرغ” النازية ايام الحرب العالمية الثانية، بل اشبه بحكم "قراقوش”، وسيف "ديموقليس”. فبدل ان يزان العدل بميزان من ذهب تكال الاتهامات جزافاً، توقيفات تعسفية اعتباطية، بدل الاحتياطية، موقوفون بلا محاكمة، واذا حوكموا فالاعدام ماثل وأسهل ما يكون النطق به من قبل القاضي.
ادنى حقوق الدفاع مفقودة، فلا شفافية ولا علنية، ولا حق بتعيين محام، ولا بالزيارة، اعترافات تحت الاكراه والتعذيب والحبس الانفرادي المطول، وتهم معلبة جاهزة، كـ”الخروج على ولي الامر” أو "الإساءة إلى سمعة المملكة”، كفيلة بلف حبل المشنقة حول المتهمين، واصدار احكام "حنبلية” بحقهم، ولعل ذلك ما يضع المملكة في المرتبة الاولى عالمياً في اصدار احكام الاعدام التي تزيد سنوياً عن 70 حكماً، ما يجعل السعودية باستمرار تحت مجهر المراصد الحقوقية الدولية، التي توثق دورياً انتهاكات النظام فيها، وتعلن على الملأ مآخذها على عدم مراعاة حقوق الانسان وحرياته في المملكة، ولا حتى ابسط معايير العدالة الدولية.
الخبير في الشأن السعودي الدكتور فؤاد ابراهيم يعتبر ان :” النظام القضائي السعودي يعاني اشكاليات جوهرية : الاشكالية الاولى انه يعتمد على الاحكام "الحنبلية” في بلد متعدد المذاهب والطوائف، فهو يفرض نظاما قضائيا يستمد احكامه من المذهب "الحنبلي” بشكل مخالف للواقع التعددي في المملكة، نظام فرضه الملك عبد العزيز بن سعود منذ احتلال الحجاز عام 1924، حينما ألغى كل المحاكم في الحجاز وفرض الاحكام الحنبلية بديلاً عنها”.
الاشكالية الثانية، بحسب ابراهيم، هي التداخل بين السلطات السعودية الثلاث وعدم استقلالية السلطة القضائية وخضوعها مباشرة للسلطة التنفيذية، فالملك هو الرئيس الاعلى لهذه السلطة وهو الذي يعين القضاة وكبار المسؤولين في القضاء، ما يسمح بتسييس الاحكام ويجعل القضاء في خدمة البلاط الملكي والطبقة السياسية الحاكمة”.
النظام القضائي السعودي يفتقر في اجراءاته وتدابيره للمعايير الدولية
يضيف ابراهيم الى ما تقدم "اشكالية اجرائية” تعتري النظام القضائي السعودي، "فهو يفتقر في اجراءاته وتدابيره للمعايير الدولية، فرغم ان السعودية من الدول الموقعة على الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وممثلة في مجلس حقوق الانسان، الا انها مع ذلك لا تلتزم بهذا الاعلان ولا ببنوده واجراءاته، فهي تعقد محاكمات تفتقر الى الحد الادنى من المعايير الحقوقية، ومعايير العدالة الدولية، كالمحاكمة العلنية والشفافية، والاستماع الى الشهود، كل هذه الاجراءات غير متبعة، ما يجعل جميع حقوق الانسان عرضة للانتهاك الاعتيادي خلال المحاكمات ويصبح معها الانتهاك هو الاصل وليس الاستثناء”.
ولا يخلو القضاء السعودي ايضاً – وفق ابراهيم - من الفساد المستشري فيه، فالرشوة امر عادي فيه، بل يكاد يكون اكثر المؤسسات عرضة لهذا النوع من الفساد، ومن هنا كانت مطالب المنظمات الحقوقية الدولية كـ”هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” منذ عام 2009 تحديداً بضرورة اصلاح الجسم القضائي في المملكة، والتي وعد على اثرها الملك السعودي باصلاح وتطوير القضاء، وخصص لذلك مليارات الدولارات، اذ تم بناء مبنى ضخم فيها للجهاز القضائي، لكن دون ان يتغير شيء على صعيد العدالة، حيث لا تزال جميع الاشكاليات حول دور ونزاهة القضاء في حفظ الحقوق قائمة كونه بقي حتى الآن تابعاً للسلطة التنفيذية. ما جعل ملاحظات المنظمات الدولية دقيقة وفي محلها بهذا الصدد، فهي ما زالت تؤكد ان القضاء لم يتطور ولم يخضع للاصلاح الفعلي كما ينبغي ولا يزال ينتهك حقوق الانسان بكل جوانبها.
وكمصداق واضح على "ظلامة” و”لا عدالة” القضاء السعودي، يشير ابراهيم الى ان محاكمة آية الله الشيخ النمر، كشفت عن خلل عميق في هذا القضاء، لافتاً الى ان "لائحة الاتهام التي تقدم بها الادعاء العام تم تبنيها بأكملها من قبل القاضي رغم ما تحويه من اتهامات باطلة، فالشيخ لم يدعُ الى العنف قط في محاضراته، وهو لم يستعمل ولم يدعُ لاستعمال السلاح ضد رجال الامن ولا الى استدراج تدخل خارجي”.
ويضيف ابراهيم :”كما انه لم يتم مراجعة اللائحة لم يؤخذ ايضاً بالمذكرة الدفاعية المقدمة ( 70 صفحة)، ولم يجر الاستماع للدفاع، ولا للذين اوقفوا الشيخ من رجال الامن، رغم طلب القاضي بأن يؤتى بهم الى المحكمة، كما طلب تفريغ محاضرات الشيخ النمر لمطابقتها مع الاتهامات لكن لم يتم الالتزام بذلك، واجلت المحكمة اكثر من مرة الى أن صدر الحكم بالاعدام”.
ويختم ابراهيم مؤكداً ان "المحكمة التي اصدرت حكمها على الشيخ النمر لم تلتزم بما قرره القاضي الذي جرى استبداله، فاصدرت الحكم بناء على لائحة اتهام مقدمة من الادعاء العام تبنتها بأكملها، دون ان ترفض اي تهمة، ودونما حتى الرجوع الى ما ورد في محاضرات الشيخ النمر، او تستمع الى الشهود، وحكمت على الشيخ النمر بالاعدام تعزيراً، رغم ان الهدف من التعزير هو التأديب وثمة خلاف فقهي حول ايصال العقوبة في التأديب الى حد القتل عبر الاعدام حيث تنتفي الغاية منه”.