تركيا المأزومة: الرقص على حبال التناقضات لا يصنع معادلات ثابتة
سركيس أبوزيد
تُصر تركيا على تحدي المجتمع الدولي بمواصلة تدخلاتها في العديد من الملفات في المنطقة، بذريعة أنها تدافع عن الحل السياسي لمشاكلها. لكن التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة تشير الى أن أنقرة تلعب دورًا سلبيًا من خلال تأجيج الأوضاع لإطالة الأزمات التي تورطت في خلقها أو لعبت دوراً سلبياً فيها، في مسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في هذه الدول، مما جعل الدولة التي كانت منذ أعوام قليلة تتمتع بنشاط دبلوماسي مكثف ودور إقليمي حيوي وتتبع سياسة "صفر مشاكل"، تعاني من عزلة وضغوط إقليمية ودولية واسعة، والسبب سعيها الى استعادة دورها الإقليمي وتوسيع نفوذها من خلال تدخلها في شؤون دول المنطقة، وأبرزها سوريا وليبيا.
في المشهد الداخلي التركي، أوشك نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والاقتصاد الأسبق علي بابا جان، المدعوم من رئيس الجمهورية السابق عبد الله غُل، على إطلاق حزبه الجديد بعد استقالته من حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي كان أحد مؤسسيه. وعلى الخطى نفسها، يسير رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو في طريق إعلان حزبه الجديد أيضاً. مولد الحزبين المرتقبين يشكل أوسع حركة انشقاق لرفاق أردوغان القدامى الذين شاركوه تأسيس حزب العدالة والتنمية، وكانوا من عوامل قوته خلال سنوات ازدهاره، وذلك قبل أن يبدأ رحلة تراجعه التي بلغت ذروتها منذ التوجه إلى إقرار النظام الرئاسي عبر الاستفتاء في نيسان 2017، ثم الانتخابات المحلية في نهاية آذار العام الماضي، والتي تكبّد حزب أردوغان خسائر موجعة في كبريات الولايات التركية وفي مقدمتها المعقل الأهم إسطنبول.
وسط هذه التطورات الداخلية تتواصل التعقيدات في كثير من الملفات الخارجية، في مقدمتها الخلافات المعلقة بين أنقرة وواشنطن، وإصرار تركيا على المضي قدما في تشغيل منظومة الصواريخ الروسية "إس 400"، وهو ملف ينتظر الاشتعال في أي وقت، حال قررت واشنطن فرض عقوبات على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا بالعقوبات "كاتسا" الذي يعاقب به من يتعاملون في مبيعات كبيرة للسلاح مع روسيا.
وبعدما تبنى مجلس الشيوخ بالإجماع قرارا يعترف رسميًا بـ"الإبادة الأرمنية" على يد الدولة العثمانية في العام 1915، ردت تركيا بالتهديد بطرد القوات الأميركية من قاعدة "إنجيرليك" الجوية وإغلاق قاعدة "كورجيك" للرادار، علما أن واشنطن متمسكة بالشراكة الاستراتيجية مع تركيا. وفي هذا الإطار، وفي محاولة لرأب الصدع وتطوير العلاقات الاستراتيجية الطويلة المدى لمنع الانهيار في العلاقات التركية - الأميركية، يرى خبراء استراتيجيون أميركيون أن تطوير العلاقات العسكرية بين البلدين يجب أن يبقى هدفا مركزيا لواشنطن، كما أنهم يرون أن الإطار الأكثر معقولية لضمان أمن تركيا هو حلف شمال الأطلسي، مع التنبيه إلى ضرورة أن يكون الحلف على جاهزية لإمكانية خسارة قاعدة "إينجرليك" وقواعده الأخرى في تركيا.
وفي حين يستمر التوتر مفتوحا مع الولايات المتحدة بسبب صفقة "إس 400"، فإن الصفقة نفسها تشكل إحدى ركائز التقارب التركي - الروسي، الذي يمتد أيضا إلى التنسيق في سوريا سواء في ما يتعلق بإدلب أو شرق الفرات أو العملية السياسية المتأرجحة، فضلا عن العلاقات الثنائية التي يسعى الطرفان للحفاظ على قوة الدفع فيها لارتباطهما بمصالح اقتصادية أبرز جوانبها التنسيق في مجال الطاقة.
أما علاقة أنقرة بالقاهرة، فقد ارتفعت درجة التوتر في الأسابيع الأخيرة بينهما الى مستوى المواجهة العسكرية بسبب تورط تركيا في الأزمة الليبية وتوقيعها مذكرتي تفاهم مع حكومة فايز السراج، الأولى تمنح تركيا حق التنقيب عن النفط في مياه البحر المتوسط، والثانية تمنحها حق إرسال السلاح والمقاتلين لدعم الجماعات الإسلامية وحكومة السراج. لذلك فإن القاهرة تراقب عن كثب وبتحفز الاختراقات التركية الخطيرة في الواقع الليبي، وبالأخص على طرف الحدود مع مصر، مع ما يعني ذلك من تعزيز لمنظومة الإرهاب التي تتسرّب من هناك الى الداخل المصري، مرورا بمحاولات تعزيز نفوذ "الإخوان" في منظومة الحكم الليبية العتيدة، وصولا الى فرض أردوغان نفسه شريكا "إسلامويا سلطانيا" في الحل والربط في جميع القضايا والأزمات العربية.
فقد راهن أردوغان على محاباة الشريك الروسي واستمالته من بوابة رغبة موسكو في استعادة موقعها التاريخي في الشأن الليبي. ولذلك استعجل توقيع اإتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع بعض السلطة القائمة في طرابلس الغرب، مدعوما من تنظيم الإخوان المسلمين هناك، كما أنه حاول إغراء هذه السلطة بإمكانية إفراد موقع متقدم لليبيا المستقبل في منظومة توزيع النفوذ الدولي والإقليمي في إدارة منابع وخطوط إمداد الغاز- الطاقة المنافسة والبديلة للنفط بعدما اكتملت تقريبا المنظومة التي أنشأتها الولايات المتحدة في شرقي البحر المتوسط، والتي تكوّنت من ست دول هي مصر والأردن واليونان وقبرص وإيطاليا و"إسرائيل".
بينما في الشق الأوروبي، فقد سعت تركيا في مطلع الستينيات لتكون عضوا أوروبيا لكن لم يتم قبولها، وقد رأت في منتصف التسعينيات أن دول أوروبا الشرقية قد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي الواحدة تلو الأخرى، إلا أنها لم تيأس من محاولات الانضمام، وما زال قسم من الأتراك يراهن ويأمل بذلك.
في الواقع، لم يعد جوهر الأمر أن تنظر الدول الغربية إلى تركيا كنموذج يُحتذى به بالنسبة إلى البلدان في الشرق الأوسط الكبير بسبب هويتها الإسلامية المعتدلة وتوجهها العلماني الموالي للغرب والاندماج في الاقتصاد العالمي الرأسمالي في عصر يتراجع فيه الغرب وتتقدم الرأسمالية الصينية، وفي زمن أزمة الديمقراطية الليبرالية الموجهة نحو السوق الحرة في الغرب، وبدلا من الشعور بالرضا عن الهوية النموذجية التي عهد بها الممثلون الغربيون منذ فترة طويلة إلى تركيا، أصبحت تسعى لرسم طريقها لتحدد ما هو مفيد لنفسها.
فتركيا تقف على مفترق طرق لا تتخلّى عن الغرب الأوروبي لكنها تخرج عن طوعه، ولا تعادي الولايات المتحدة لكنها تتجرأ على مخالفتها، وتتمرد عليها إعلانا لاستقلالية القرار التركي، بعد أن اتهمتها بالعبث بأمنها الداخلي والاقتصادي، تقترب من موسكو لما فيه مصالحها بعد نزال خسرته في عام 2015، واثقة بالقيادة الروسية من دون تنازلات سياسية كبيرة وبحذر الواثق لحاجة روسيا إليها، لكنها باتت مستعدة من أجل مصالحها لقدر من التضحية بمشاريع حاكتها بهدوء مع الغرب الأميركي تطال بؤر صراع قادها إسلاميون في آسيا الوسطى والصين، حيث تتخذ أنقرة مبادرات جريئة لضمان أمنها الإقليمي من خلال مزيج من المبادرات العسكرية الأحادية الجانب والتعاون الاستراتيجي متعدد الأطراف مع الجهات الفاعلة غير الغربية. كما أصبح الحكم على الفاعلين العالميين والإقليميين من خلال درجة التزامهم بمصالح تركيا الأمنية التقليدية وعملية التنمية الاقتصادية كلغة مشتركة جديدة في السياسة الخارجية التركية. وعلى الرغم من خطاب أردوغان الشعبوي الصاخب تبدو السياسة الخارجية لتركيا على الصعيدين العالمي والإقليمي مليئة بمحاولات السياسة الواقعية للتخفيف من الآثار السلبية للأزمات الخارجية على الاستقرار الداخلي. لكن، لم يقتنع أردوغان بعد أن الرقص على حبال التناقضات الإقليمية والحسابات الدولية مؤقت ولا يصنع معادلات ثابتة.