بوريل والمهمة شبه المستحيلة
بعد ان تلكأت كل الجهود الدولية لانقاذ الملف النووي من الانهيار نتيجة الغطرسة الاميركية او غياب الارادة الاوروبية المستقلة للتعامل مع هذا الملف اضطرت طهران لاتخاذ خطواتها المتلاحقة لتقليص التزاماتها النووية وفقا للاتفاق النووي الموقع بينها وبين دول مجموعة (5+1) عام 2015 عسى ان تعود اوروبا الى رشدها للالتزام بما تعهدت به لا نجاح هذا الاتفاق خدمة للامن والسلام العالمي لكن كل ذلك كان دون جدوى، فما كان من طهران الا ان تقدم على خطوتها الخامسة الاخيرة في يناير 2020 لتدشن مرحلة جديدة في عملية التخصيب وفقا لاحتياجاتها وباي نسبة كانت، مع تاكيدها على استمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتراجعها عن جميع الخطوات التي قامت بها حال الغاء واشنطن لقرار الانسحاب من الاتفاق وجميع انواع الحظر وتنفيذ اوروبا لبنودها لتحقيق المكاسب لايران.
وفي اليوم التالي من اقدام ايران على الخطوة الخامسة اكتفى الاتحاد الاوروبي باصدار بيان اعرب عن اسفه العميق لموقف طهران دون ان يتخذ اي موقف لمعالجة التلكؤ واخطائه وبقى هذا الموقف على حاله حتى هددت بتفعيل آلية الزناد او فض النزاع لذلك استدعى من الخارجية الاسلامية ان تصدر بيانا مسهبا تفند فيه كل المبررات الاوروبية لتفعيل هذه الآلية التي اضطرت اوروبا على اثر ذلك ان تتراجع عن قرارها في تفعيل آلية فض النزاع.
وبعد فترة من هذه التطورات حصل لقاء بين بوريل منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي وظريف وزير الخارجية في العاصمة الهندية جرى نقاش جدي وصريح حول الملف النووي واسباب تعثره الى ان طلب بوريل مؤخرا زيارة طهران واستكمال محادثاته فوافقت الاخيرة على زيارته دون ان تفتح حسابا على ما سيقوله قبل ان يثبت الاتحاد الاوروبي على انه طرف مستقل في الساحة الدولية له قراره السيادي بعيدا عن الاملاءات الاميركية.
فبعد وصول "جوزيف بوريل" منسق السياسة الخارجية الاوروبية طهران هناك تساؤلات كثيرة ومشروعة حول حديثه واختياراته في الغوص في الملف النووي المتشابك والمعقد كممثل للاتحاد الاوروبي والوعود التي سيعطيها كل ذلك مثار بحث وجدل حتى تنجلى الغبرة عن محادثاته مع المسؤولين في طهران، لان اوروبا عجزت حتى اليوم ان تفتح ثغرة في الجدار النووي رغم كل الوعود التي قطعتها على نفسها لطهران، هو لعجزها ام سايرتها ام لتواطئها مع واشنطن ام لاستسلامها، كل ذلك مدار البحث حتى تكتشف طهران هذا اللغز.
فالاعتقاد السائد في طهران ان المهمة التي جاء بها اكبر من حجمه رغم كل مع يحمله من مواصفات ايجابية كمعارضته لسياسة ترامب العنجهية ومصادرة واشنطن للقرار الاوروبي وتاكيده على الهوية الاوروبية المستقلة، لكن كل ذلك بحاجة ماسة لترجمته على الارض، والاهم من كل ذلك مدى ما يحمله الرجل من تخويل مفتوح من القادة الاوروبيين لطمأنة طهران للموقف الاوروبي الذي سينقلب على عقبيه ويتغير 180 درجة عن الموقف الحالي. القضية ليست بهذه السهولة وفق للمشاهدات الموجودة على الارض. فالرجل ينبغي ان يثبت لطهران اولا ان اوروبا قد تغيرت تماما واصبحت لاعبا دوليا مستقلا له قراره وسيادته الكاملة ولم يعد للضغوط الاميركية اي تاثير على مواقفه وهذا اشبه بالمستحيل فعند ذلك يمكن لطهران الخوض في مناقشات جادة لتنفيذ الاتفاق النووي بحذافيره ومن قبل جميع الاطراف الموقعة عليه دون اية شروط.