هل انتهى الرد الإيراني؟
د. إعصار الصفار
امريكا اغتالت الشهيدين المهندس وسليماني وصحبهما (٣-١-٢٠٢٠). فقامت قيامة العراقيين والإيرانيين في تشييع مهيب في مدن الدولتين لم يُشهد له مثيل من قبل، مع توعدات بالثار لدماء الشهداء. في ايران، جاءت التوعدات من الجميع، من قمة الهرم، مرشد الثورة الخامنائي، الى رئيس الجمهورية روحاني الى كل المسؤولين السياسيين والعسكريين. في العراق اقتصرت المناداة بالثأر على فصائل المقاومة العراقية بمختلف مسمياتها.
وترد ايران بقصف صاروخي لقاعدتين أمريكيتين في العراق (٨-١-٢٠٢٠). وتتضارب الاخبار عن حقيقة الخسائر الامريكية، فيما تتأخر القيادة الامريكية في إصدار اي تصريح لقرابة ١٩ ساعة لياتي ترامب في اليوم التالي (٩-١-٢٠٢٠) مهوِّناً من الخسائر ويقرر ابتلاع الصفعة الإيرانية وعدم الرد. ثم نسمع في وسائل الإعلام ان ايران ايضا لا تنوي التصعيد. وكأن الامر قد انتهى!
السيناريو بهذا الشكل لم يكن مقنعا لي، ليس على صعيد شخصي عاطفي ولكن لمعطيات موضوعية.
وباستخدام أدوات تلقي وتحليل الاخبار، ادناه تحليلي للموقف مع الاسباب.
بربط الحاضر بالماضي، نعلم ما يلي:
(١) ايران لا تطلق تهديدات فارغة. كانت دائما اذا هددت نفذت، وهذا ما شاهدناه قبل يومين ايضا.
(٢) القيادات الإيرانية اتفقت وبشكل قاطع ان الثار لدماء الشهداء هو خروج القوات الامريكية من منطقة الشرق الأوسط.
بجمع النقطتين أعلاه نستطيع باطمئنان ان نستنتج ان الرد لم ينتهِ، اذ القواعد الامريكية في المنطقة كما هي.
من الواضح ان الهدف الإيراني في اخراج القوات الامريكية من المنطقة إنما هو:
(١) هدف استراتيجي (٢) ولن يحدث بين ليلة وضحاها (٣) وجغرافيا لا بد ان يحصل تدريجيا.
مفتاح الاُحجية يكمن في الخسائر الحاصلة. طبعا ضرب القاعدة في أربيل، وكما اسلفتُ سابقا، إنما هو إنذار المقصود به الأكراد اكثر من الأمريكان. وقد وصلت الرسالة وتحقق هذا الهدف الجانبي.
اما قاعدة عين الأسد فالهدف مختلف تماما، فبالرغم من تضارب اخبار الخسائر بين مهوِّلٍ ومهوِّنْ، الا ان هناك امر ذَكَرتْهُ مصادر متعددة ولم ينفه احد، وهو منظومة رادارات ومراقبة ورصد متطورة وتغطي مساحة واسعة، قد تم تدميرها واخراجها من الخدمة.
لننظر في أهمية قاعدة عين الأسد استراتيجيا للقوات الامريكية. هذه القاعدة في موقع هام للغاية، فهي على الحدود العراقية الغربية قريبة من الحدود السورية. وكلنا نعرف الدور الذي لعبته القوات الامريكية في تلك المنطقة في تحجيم، وان تطلب الامر قتل، الحشد الشعبي من ضبط الحدود ومحاربة الإرهاب. وقد قامت امريكا بجعل هذه المنطقة ملاذا آمنا للارهابيين من جهة، وتقديم إسناد لتواجدها في سوريا من جهة اخرى، وجعلها سكينة في خاصرة خط المقاومة تعرقل إيصال المعدات والإسناد للمقاومة في سوريا ولبنان وفلسطين من جهة ثالثة.
فبالتالي، تدمير منظومة الرادارات هذه، سيصيب القوات الامريكية هناك بالعمى، المؤقت على اقل تقدير، مما يتيح الفرصة لقوى المقاومة العراقية والسورية واللبنانية في التحرك بحرية وفاعلية اكبر. وبالتالي فمن المتوقع تصعيد فعاليات فصائل المقاومة في المنطقة والتي، ان شاء الله، ستؤدي لاول انسحاب للقوات الامريكية والذي سيكون من سوريا والعراق، فهناك ترابط عضوي في التواجد الأمريكي في البلدين حيث تغذي القوات الأمريكية في العراق تواجدها في سوريا، علما ان تواجد الامريكان في سوريا ضعيف ومرتبك أصلا. وهم قد قاموا فعلا بإعادة تموضع قواتهم في سوريا بعيدا عن الحدود العراقية.
مما يؤيد ذلك امران، الأول هو المؤتمر الصحفي الذي عقده حاجي زادة، قائد القوة الجوفضائية الإيرانية البارحة (٩-١-٢٠٢٠) حيث استعرض عملية الضربة الصاروخية والخسائر الامريكية معززا كل ذلك بالصور، ومن الملفت للنظر حرصه على وضع رايات مختلف قوى المقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية وغيرها خلفه، وقد أشار أن القادم هو لخط المقاومة. اما الامر الثاني فهو تصريح العصائب وغيرها من فصائل المقاومة العراقية من ان الانتقام لدم الشهيد المهندس قادم وسوف لن يكون اقل من الرد الايراني على استشهاد سليماني.
وبالتالي، فبتصوري ان المواجهة مستمرة وستتدرج في السعة والقوة لإخراج الأمريكان من المنطقة، دولة بعد دولة، ابتداءا بسوريا والعراق.