kayhan.ir

رمز الخبر: 107407
تأريخ النشر : 2020January11 - 20:41

روسيا العائدة بقوة إلى لبنان والشرق الأوسط


سركيس أبوزيد

كان 2019 عام التمدد الروسي في الشرق الأوسط، الذي ينظر إليه الرئيس فلاديمير بوتين كجزء من جوار روسيا الواسع، خصوصًا أنه يمتلك ثروة نفطية وغازية وفرصًا لعلاقات ومشاريع تجارية بالنسبة إليه. فروسيا تحتاج الى إقامة علاقات شراكة مع دول المنطقة والعالم الإسلامي والعربي لتقليل حجم التهديدات على حدودها الجنوبية، وتُعتبر هذه المنطقة الخزان العالمي لمادة النفط والغاز الطبيعي ومركز الثقل للخطوط والإمدادات وتعمل روسيا في تركيا وسورية ولبنان والعراق بهدف إنشاء جسر بري الى أوروبا عبر الشرق الأوسط. وهذا ما يشكل خطرا على المصالح الأميركية والأوروبية، ويجعل المنطقة مسرحا للتجاذب الجيوسياسي الروسي - الغربي بسيناريوهات ظاهرها سياسي وباطنها اقتصادي.

وإذا كان ثمة رابح أكبر حتى الآن من سياسات إدارة دونالد ترامب، فهو بلا شك روسيا، حيث دفعت سياسة ترامب إلى تعزيز الشراكة الصينية – الروسية، كما أن اعتماده "الضغوط القصوى" على إيران أوصل الأوضاع معها إلى حافة الحرب، ووثّق تعاونها مع روسيا والصين. بالإضافة إلى أن طريقة تعامله مع حلفائه الأوروبيين هي من بين المحفزات الأساسية لبعض حكوماتهم، وتحديدا ألمانيا وفرنسا، للسعي إلى فتح صفحة جديدة مع روسيا. الأمر نفسه ينطبق على تعاطيه مع تركيا التي لم يسبق لأيّ من رؤسائها، منذ تأسيس الجمهورية، أن تمتع بصلة بهذه الدرجة من الحميمية كتلك التي تجمع رجب طيب أردوغان بفلاديمير بوتين.

ولا ننسى هنا دخول روسيا كوسيط على خط الأزمة في الخليج الفارسي، المعتبر حتى سنوات قليلة منطقة نفوذ أميركي حصري، في تحول استراتيجي كبير لا يقلّ أهمية عن انتقال تركيا من الانضباط الأطلسي إلى تعدد الشراكات. وإذا أضيفت هذه التحولات إلى الشراكات التي بنتها موسكو مع بكين وطهران ونيودلهي، على رغم تحالفها مع واشنطن، ومصالحها المتنامية مع إسلام آباد، واتجاه ألمانيا وفرنسا نحو تجاوز آثار الأزمة الأوكرانية وإعادة الدفء إلى علاقاتهما بموسكو، فمن الممكن القول إن على بوتين أن يشكر ترامب على اختزاله السياسة الخارجية الأميركية إلى عمليات تهديد ووعيد وضغوط قصوى وابتزاز. مساهمته الأبرز إلى الآن هي تسريع عودة روسيا كقوة دولية إلى أكثر مناطق العالم أهمية على المستويات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

ولا مبالغة في القول إن بوتين أرغم العالم على العودة إلى الإنصات إلى روسيا. فقد اعتمد دبلوماسية مشاكسة نشطة في الأزمات، وحرك سيف الفيتو في مجلس الأمن مرات عدة. استعاد القرم، وزعزع استقرار أوكرانيا، وسدد ضربة استثنائية حين أفاق العالم على القوات الروسية تقف الى جانب حليفها الرئيس بشار الأسد لمنع النظام في سورية من السقوط على أيدي المعارضين والمقاتلين الجوالين المصنفين في خانة الإرهاب. فقد أدار بوتين على أرض سوريا لعبة بالغة التعقيد تجعله ممرا إلزاميا في أي محاولة لصناعة السلام في هذا البلد. رسخت روسيا أقدامها في سوريا، عسكريا وأمنيا، من خلال قواعدها البحرية والجوية والبرية. وبوتين صاحب الجموح الإمبراطوري الروسي، وهو دارس جيدا قاعدة الاستراتيجية السياسية في المنطقة التي تقول إن من يمسك بسوريا قادر تماما على الإمساك بلبنان الذي دخل دائرة إهتمام روسيا منذ انخراطها المباشر في الأزمة السورية وبات يشكل بالنسبة لها ميدانا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا حيويا. وحصل تقدم في العلاقات اللبنانية - الروسية وبات يغطي كل المجالات السياسية والاقتصادية، مع إعطاء أهمية خاصة لقطاع النفط والغاز. أما في المجال العسكري، فإن لبنان لا يبدي تجاوبا مع العروض الروسية حتى لا يثير حفيظة أميركا ولا يخسر دعمها العسكري القوي للجيش اللبناني.

ومن المتوقع أن يشارك الروس في ورشة العمل الضخمة لتطوير البنى التحتية اللبنانية، وأن تشارك شركات روسية في بعض المشاريع التي ستتولاها شركات خاصة. وسوف تسعى شركات روسية لوضع جذور لها في شمال لبنان من أجل المشاركة في إعادة إعمار سوريا. في المقابل يناقش الخبراء الأميركيون منذ سنوات محاولات روسيا إدخال لبنان دائرة نفوذها، بوضعه تحت مظلة موسكو للدفاع الجوي، وعبر بيعها الأسلحة إلى بيروت. وبينما يجادل بعض المحللين بأنه يجب على واشنطن ألا تحاول التنافس مع الكرملين في هذا البلد الصغير، يرى آخرون أن أي تنازل في لبنان هو أمر غير مقبول. فلبنان في نظر موسكو يضم أكبر مجتمع مسيحي، وتاريخيا، كان هناك تحالف طبيعي مع الكنيسة الأرثوذكسية التابعة لبطريركية أنطاكية. وفي عهد بوتين، ازدادت الاتصالات مع المسيحيين الأرثوذكس بشكل كبير، وتوسعت موسكو أيضا إلى التحالف مع الموارنة، أكبر طائفة مسيحية في لبنان. ولدى روسيا هدفان رئيسيان في الشرق الأوسط يشملان لبنان:

- جذب أكبر عدد ممكن من الدول من مجال النفوذ الأميركي إلى جانبها.

- وتحقيق موقع متميّز في سوق الأسلحة الإقليمي.

وكما فعل الكرملين خلال الحقبة السوفياتية، يسعى بوتين في الشق الأول إلى ربط الدول بموسكو من خلال تقديم المساعدة العسكرية والدعم الاقتصادي، وفق مقاربة أن الاتجاه الصعودي سيجعل الحليف الصغير معتمدا أكثر على موسكو. كما يسعى بوتين، في الشق الثاني، إلى تعزيز مصالح الشركات الروسية الكبرى وزيادة أرباحها عبر الحلفاء. لذا سارعت موسكو إلى ربط لبنان بها من خلال محاولتها بيع الأسلحة للحكومة. وحين أوصت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخفض المساعدات العسكرية والأمنية بنسبة 80% إلى لبنان بين عامي 2016 إلى 2018 وردت موسكو على ذلك من خلال تقديم قرض بقيمة مليار دولار لبيروت لشراء الأسلحة، وحتى أنها قدمت بعض المساعدات المجانية. لكن هذا الاقتراح رفضه رئيس الوزراء سعد الحريري في كانون الأول 2018 ، قائلا إن قبوله سيقتصر على التبرعات الروسية لقوى الأمن الداخلي في لبنان. وطوال عام 2018، ألقى العديد من الخبراء الروس باللوم على حياد بيروت وعلى الضغط الأميركي والمشاكل الداخلية للحكومة اللبنانية بعرقلة الصفقات مع روسيا. ومع ذلك بقي أن أفضل رهان في موسكو هو العرض على لبنان الحماية تحت مظلة الدفاع الجوي الروسية، من دون ربطها بالمساعدات العسكرية، وستستند هذه الاستراتيجية إلى التطورات في الصراع الإيراني -الإسرائيلي.

في النهاية، تبدو روسيا مستعدة للولوج بشكل أكبر في قضايا الشرق الأوسط، وتسعى لتعزيز قبضتها وتثبيت شرعيتها في البحر الأبيض المتوسط. فقد نجحت الدبلوماسية الروسية في إقامة علاقات جيدة مع الدول الحليفة تقليديا مع الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة كالسعودية ودول أخرى في مجلس تعاون الخليج الفارسي ومصر والأردن وتركيا، إضافة الى "إسرائيل". وترسل روسيا اليوم مؤشرات على أنها استعادت دورها كلاعب أساسي في المنطقة واستقرت فيها كقوة يُحسب لها حساب. فقد أعاد بوتين صياغة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وكانت البداية في الحضور العسكري في سوريا الذي شكل انعطافة بارزة في تاريخ السياسة الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط لتحقيق مزيد من النفوذ الإقليمي، وحيث إن سوريا بوابة للمنطقة ومنصة للوجود الروسي العسكري. تبدو روسيا اليوم هي الحامية للوضع القائم في الشرق الأوسط، حيث يُنظر إليها على أنها أكثر تماسكا ومصداقية في سياساتها الشرق أوسطية.