kayhan.ir

رمز الخبر: 105994
تأريخ النشر : 2019December16 - 21:05

التدخل الأميركي في لبنان.. قديم جديد يجمعه الفشل


مالك ضاهر

تتكشف يوماً بعد يوم الأدوار الأميركية في العمل لتخريب الساحة الداخلية اللبنانية، لا سيما من بوابة "الحراك” الذي انطلق في لبنان منذ ما يزيد عن الشهر، ولكن تراجعت إلى حد كبير أنشطته باستثناء بعض الوقفات الرمزية التي تحصل في بعض الساحات وتنظيم فعاليات احتجاجية أمام بعض المؤسسات الرسمية والتي تتنوع خلفياتها بحسب الخيار السياسي لمنظميها، أو بحسب الاندفاع الشبابي الموجود بهدف إيصال رسالة مفادها أنه لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل غير المنطقي في إدارة البلاد وضرورة البدء جدياً بمحارية الفساد.

والأكيد أن الطبقة السياسية الحاكمة منذ ما بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وانعقاد اتفاق الطائف والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي طُبّقت، والتي رفعت "الحريرية السياسية” رايتها، هي سياسات تعمل تحت المظلة الدولية والأميركية وتتناغم إلى حد كبير مع ما تفرضه الإدارات والمؤسسات الأميركية في الأطر المالية والمصرفية والاقتصادية، ولا مجال للحديث أن لا دور أميركي عبر الأدوات المحلية في المسك باقتصاديات الدول ومنها لبنان، ما يؤكد أن الدور الأميركي في لبنان ليس وليد اللحظة ولا هو ابن هذا الشهر حيث ولد "الحراك”، ولا هو في محاولة ركوب الموجة وأخذ التظاهرات الشعبية، التي بدأت صادقة في مكان ما وحاولت الأدوات الأميركية الظاهرة وغير الظاهرة إلى أخذها لمكان ما ولتنفيذ أجندات سياسة وغير سياسية ضد المقاومة وحلفائها في لبنان، إنما التدخل الأميركي في لبنان هو قديم منذ ما قبل وصول "الحريرية السياسية” بشكلها العلني إلى لبنان، وبالتالي التأسيس للتغلغل الأميركي في هذا البلد المحاذي لفلسطين المحتلة يمتد إلى عقود مضت بهدف التحكم بهذه الدولة ومؤسساتها لضمان الأميركي أمن ومصالح ربيبته "إسرائيل”.

وهنا تلفت مصادر متقاطعة أن "الحريرية السياسية” هي أحد أبرز الأدوات الأميركية-السعودية لتنفيذ مخططات معدة مسبقاً تهدف للإمساك بالواقع اللبناني اقتصادياً ومالياً وإغراقه بالديون وتعجيزه بحيث لا يقوى على مواجهة أي طلب أميركي في إطار نسج علاقات مع كيان العدو الإسرائيلي، وتضيف أيضاً إلى أن "الحريري جاء بشكل المنقذ للبنان وبدأ شكلياً بإعمار البلاد لكنه فعلياً عمل على إغراقه بالديون وفوائد الديون كي يصل البلد إلى لحظة من اللحظات لا يكون أمامه إلا باب السلام مع إسرائيل مقابل تخفيف الديون عنه أو شطبها كلياً بحسب الظروف المرافقة”، وتابعت أن "ظهور المقاومة وتحرير الجنوب ووضع معادلات الردع التي باتت معروفة بمواجهة العدو الإسرائيلي نسفت المخططات التي كانت مرسومة ومن ثم أدت إلى تغيير كلي في الواقع والمستقبل”.

من هنا بات الأميركي عليه اليوم العمل مباشرة لمواجهة المقاومة اللبنانية بشتى السبل الممكنة بعدما فشلت معها كل المحاولات عبر الأدوات الداخلية والإقليمية والدولية لإخضاعها، بما فيها فشل العدو الإسرائيلي بالدرجة الاولى عسكرياً وأمنياً في تحقيق الانتصارات أو القضاء على قدرات المقاومة التي تتعاظم يوماً بعد يوم، وبالتالي ذهب الأميركي إلى خيار الحصار الاقتصادي وأتباع منهاج الحرب الناعمة.

أما بخصوص الحصار الاقتصادي، فالأميركي يدرك أنه لا مجال مباشرة لحصار المقاومة مالياً واقتصادياً لأن ليس لها أرصدة مالية وتعاملات مع البنوك، وبالتالي ذهب الأميركي نحو فرض عقوبات على بيئة المقاومة والحلفاء ووسّع الدائرة أكثر في الآونة الأخيرة لإدخال لبنان في مرحلة خطيرة وحادة مالياً واقتصادياً وبات اللعب على حافة الهاوية مع بدء حصول انحدار بالوضع العام قد ينذر بحصول انهيار في مكان ما خاصة مع اتباع الأدوات الأميركية في لبنان لسياسة المناورة بعد استقالة الحكومة ومحاولة تمديد فترة الفراغ بما ينعكس سلباً على لبنان ككل في أمل أميركي خائب بحصار للمقاومة بعد شد الخناق على البلد كله.

أما بخصوص الحرب الناعمة، فنرى أن الأميركي يعتمد أساليب متنوعة منها تحريك وسائل إعلام بعينها لتأجيج الشارع والساحات في بعض الأوقات، حيث تعمل عدة وسائل إعلام وفقاً لأجندة محددة تهدف لدفع الناس إلى النزول للشوارع عبر تأجيج الغرائز والنعرات السياسية والطائفية واعتماد خطاب العزف على أوتار الضائقة المعيشية والحياتية وانتشار الفساد وصبغ جميع القوى السياسة أنها فاسدة باعتماد شعار "كلن يعني كلن” في محاولة لتشويه صورة المقاومة والزعم أنها من ضمن جوقة الفاسدين الذين هم في غالبيتهم أصلاً من حلفاء أميركا.

ومن الوسائل المتبعة هي دفع طلاب المدارس والجامعات للنزول إلى الشوارع وتعطيل المرافق العامة وقطع الطرق على المواطنين العزل العاديين الساعين وراء لقمة عيشهم، في حين يتم الضغط على القوى الأمنية والجيش اللبناني لمنعهم من فتح الطرقات بما يزيد من الأزمة الحياتية، ناهيك عن الدور المريب الذي تلعبه المصارف في احتجاز أموال الناس ومنعهم من سحب ودائعهم بحسب ما يقره لهم القانون، والتلاعب بأسعار الدولار مع ما لذلك من انعكاسات سلبية على أسعار مختلف السلع والخدمات لا سيما الأساسية منها.

كل ذلك، وعلى الرغم من محاولات الأميركي الاختباء خلف الستار والتلطي في الغرف المغلقة، إلا أن المواقف التي يطلقها بين الحين والآخر بعض المسؤولين الحاليين والسابقين تفضح بشكل لا يقبل النكران الدور الأميركي المشبوه في لبنان، ومنها مواقف السفير السابق جيفري فيلتمان، ومؤخراً مواقف وزير الخارجية مايك بومبيو التي أعلنها صراحة أنه يجب إخراج حزب الله ليس فقط من الحكومة بل من لبنان، وهذا موقف يشكل انتهاكاً فاضحاً لكل الأعراف والقوانين الدولية وتدخلاً سافراً في الشؤون اللبنانية، فالحزب هو مكوّن لبناني أساسي في البلد لا يمكن للأميركي أو غيره إخراجه لأنه من هذه الأرض ورهن نفسه وكل ما يملك للدفاع عنها وعن أهلها بمواجهة المتغطرسين أياً كانوا ولأي جهة انتموا، وبالمقابل فإن مواقف قيادات الحزب والمقاومة تؤكد أن ما لم يحصل عليه الأميركي والإسرائيلي وأدواتهم من خلال الحرب لن يحصلوا عليه بالسياسة أو الاقتصاد.