ماذا يجري في هونغ كونغ, احتجاجات المظلة او "ربيع بكين"
محمد صادق الحسيني
المعركة واحدة من سوريا للعراق للبنان وفلسطين لبكين, الإمبريالية تسعى لتجديد هيمنتها, تمارس التآمر, التجويع والحصار ولا تتورع عن استخدام النار لتحقيق أهدافها, القوى الحية تُدرك مرامي السياسات الإجرامية للإستعمار, كتب محمد صادق الحسيني دراسة تربط ربطاً جدلياً بين ساحات الصراع مع أشرس الأعداء.
ان الحرب الاقتصادية التي يشنها الرئيس الاميركي ، ضد جمهورية الصين الشعبية ، حالياً ليست الا حلقة من حلقات الحرب المستمرة التي تشنها الولايات المتحدة ضد هذه الدولة العظمى ، التي ترفض الخضوع لإملاءات الامبريالية الاميركية ، ومنذ ايّام ثورة الشعب الصيني العظيم في أربعينيات القرن الماضي .
ولَم يكن فرار تشين كاي تشيك ، زعيم الانفصاليين الصينيين ( الكومانتانغ ) ، من البر الصيني الى جزيرة فرموزا ( تايوان ) بمساعدة جيوش الولايات المتحدة في اليابان والمحيط الهادئ سنة ١٩٤٩ ، الا احدى حلقات هذه الحرب والتي تبعتها حرب فيتنام ، على الحدود الصينية ، والتي كان من بين أهدافها محاصرة الصين بعد ان فشل الاحتلال الفرنسي لفيتنام في تأمين ذلك الحصار ، اثر هزيمة فرنسا المنكرة ، على يد الجنرال الفيتنامي جياب ، في معركة ديان بيان فو في سنة ١٩٥٤ ، وانسحاب فرنسا من فيتنام ، بعد تقسيمها وتنصيب نظام عميل للإمبريالية فيها ، قام في ما بعد بطلب تدخل الولايات المتحدة لحمايته من ثوار الفيتكونغ ، المدعومين من حكومة الثورة في هانوي ، فيتنام الشمالية .
كما واصلت الولايات المتحدة مؤامراتها ودسائسها ، ضد جمهورية الصين الشعبية ، حتى بعد هزيمتها المذلة في حرب فيتنام وانسحاب قواتها من هناك سنة ١٩٧٥ ، بعد تحرير الجنوب وتوحيد البلاد .
واصلت واشنطن سياستها تلك من خلال الدسائس السياسية والامنية ، رغم الاعتراف الدبلوماسي المتبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الدولتين ، اعتباراً من ١/١/١٩٧٩ ، وذلك من خلال افساد العلاقة بين جمهورية الصين الشعبية والاتحاد السوفيتي وبين الصين وجيرانها ، مثل فيتنام والهند والفلبين وغيرها من الدول ، بهدف عزل الصين عن محيطها وتعزيز محاصرتها إقليمياً ودولياً
وقد وصلت التدخلات الاميركية بشكل خاص ، والغربية بشكل عام ، في شؤون الصين الداخلية ، في ربيع سنة ١٩٨٩ ، عندما أطلقت الولايات المتحدة واجهزة الاستخبارات الغربية الاخرى العنان لعملائها في الصين لتنظيم تحركات شعبية واسعة ، مستغلة بعض الظروف المحلية ، معادية للحكومة ومطالبة بتغيير النظام .
بدأت هذه الحركة الفوضوية في أواسط نيسان ١٩٨٩ وتواصلت لأسابيع ، دون قيام السلطات الصينية المسؤولة باتخاذ اجراءات قاسية ، ضد منظميها والمشاركين فيها ، على الرغم من امتلاك الاجهزة المختصة في الحكومة الصينية كافة الادلة والقرائن على تدخل الولايات المتحدة في إشعال هذه الفوضى .
لكن تجاوز المحتجين الكثير من الخطوط الحمر وبدء تشكُل مخاطر جمة ، على المصالح القومية الصينية ، اضطر الحكومة الصينية الى اتخاذ الاجراءات الامنية الضرورية لإعادة النظام والهدوء الى مجراهما الطبيعي . وهو ما حدث بالفعل ، خلال الايام الاخيرة من شهر أيار ١٩٨٩ والأيام الاولى من شهر حزيران ١٩٨٩ ، حيث انتهت اعمال الفوضى والتخريب واعادت قوات فرض النظام الهدوء والتطبيع لحياة المواطنين اليومية .
واصلت الصين تطورها الاقتصادي السريع ، الامر الذي ادى الى توسع نفوذها السياسي والعسكري ، في آسيا وفِي العالم اجمع ، مما جعل الولايات المتحدة ترفع من وتيرة سياساتها العدوانية تجاه الصين . واعتمدت في ذلك ، هذه المرة ، على سياسة تجفيف عروق الاقتصاد الصيني وذلك من خلال :
حرمان الصين من مصادر الطاقة ، الضرورية لتطوير اقتصادها وتعزيز دورها السياسي والعسكري ، وذلك عبر السيطرة المباشرة على البلدان التي تصدر الطاقة للصين ، اَي البلدان العربية من جهة وتخريب العلاقات الروسية الصينية من جهة اخرى لحرمان الصين من المصادر الروسية للطاقة أيضاً .
وكانت الأداة التي استخدمتها الادارة الاميركية هذه المرة هي ما اطلق عليه اسم "الربيع العربي " اَي حالة فوضى عارمة تولت تنفيذها مجاميع ارهابية ، مثل داعش والنصرة وغيرها ، الولايات المتحدة واذنابها في المنطقه .
ولكن فشل هذه المحاولة ، بعد هزيمة المشاريع الارهابية الاميركية في كل من سورية والعراق واليمن ولبنان وغيرها ، دفع الادارة الاميركية للعودة الى التدخل المباشر ، في شؤون جمهورية الصين الشعبية ، فقامت بنقل فلول قيادات وعناصر داعش والنصرة المهزومين في سورية والعراق ، وبطائرات الجيش الاميركي العسكرية ، من ميادين الهزيمة الى حدود الصين الشمالية الغربية ، في افغانستان وغيرها من دول آسيا الوسطى .
وإمعاناً منها في التدخل السافر ، والاعتداء المباشر على سيادة الدولة الصينية على كامل أراضيها ، سواءً في البر الصيني ام في البحار الصينية ، ومحاولة الحاق الضرر بالدولة الوطنية الصينية ومصالح الشعب الصيني القومية ، قامت الولايات المتحدة ، وكالعادة عبر عملائها المحليين باختلاق أزمة في جزيرة هونغ كونغ الصينية متسترة بموضوع يتعلق بالمناهج التعليمية في تلك الجزيرة .
وقد كانت الأداة هذه المرة تلميذاً اسمه يشواع وونغ ( Yeshua Wong ) ، من مواليد ١٣/١٠/١٩٩٦ في جزيرة هونغ كونغ ، والذي دأبت المخابرات المركزية الاميركية على تحريكه وتأهيله وتكليفه بمهمات محددة منذ ان كان عمره ١٥ عاماً ، وذلك عبر منظمة انشأت خصيصاً لهذا الامر واطلق عليها اسم : احتجاجات المظلة ( Umbrella Protests ) ، في سنة ٢٠١٤ .
ومنذ ذلك الحين بدأت الدوائر الاستخبارية الاميركية والغربية بحملة تسويق لهذا الفتى على الصعيد الدولي ولأساليب متعددة .
حيث قامت صحيفة وول ستريت جورنال بنشر تحقيق موسع عنه ، بتاريخ ٢٥/٩/٢٠١٤ ، تحت عنوان : وسائل إعلام بكين تتهم القائد الطلابي ( وونغ ) بعلاقات مع الولايات المتحدة . اما صحيفة الغارديان البريطانية فقد نشرت على صفحتها الاولى ، بتاريخ ١/١٠/٢٠١٤ موضوعاً عنه ، تحت عنوان : المراهق واجهة الاحتجاجات الشعبية في هونغ كونغ .
في الوقت الذي كان مدير مؤسسة ناشيونال إندومينت للديموقراطية ( National Endowment for Democracy ) الاميركية قد امتدح هذا الفتى ، في وسائل الاعلام الاميركية ، سنة ٢٠١٢ معتبراً إياه وتنظيمه المسمى سكولاريزم ( Scholarism ) مثالاً للمواطن المفترض . علماً ان الجهات الحكومية الصينية المختصة قد وجدا مبلغ مليون واربعمائة وخمسين الف دولار هونغ كونغية (١٧٠،٠٠٠ يورو ) في حساب المنظمة عندما تم حلها سنة٢٠١٦ .
فمن أين حصلت المنظمة على هذه المبالغ ؟ اذا لم يكن من ممولين امريكيين وأوروبيين؟.
يواصل هذا الفتى مقابلتهم وإجراء اتصالات مكثفة معهم ، وبرعاية رسمية من القنصل السياسي الاميركي ، في قنصلية واشنطن في هونغ كونغ ، السيدة جولي إِيادِه (Julie Eadeh ) ، التي التقطت لها الصور برفقته . وكذلك السيناتور الاميركي ، ماركو روبيو ، الذي استقبله عدة مرات في واشنطن ، الى جانب عدد من البرلمانيين ووزراء الخارجيه الاوروبيين، مثل وزير الخارجيه الألماني، هايكو ماس . ثم عقد يوم ٢٣ /٩/٢٠١٩ لقاء مع برلمانيين ألمان ، من حزبي الخضر والديموقراطي الليبرالي وبعد ذلك غادر الى الولايات المتحدة للقاء السيناتور روبيو .
اذن نحن في مواجهة خطة تحرك سياسي امني ، اميركية أوروبية ، ضد جمهورية الصين الشعبية يجري العمل على تنفيذها انطلاقاً من جزيرة هونغ كونغ ، جنوب الصين ، بعد ان فشلت محاولاتهم في إشعال فتنة طائفية بين الإيغور المسلمين وبقية الطوائف غير المسلمة ، مثل الايغور ( ذوي الجذور التركية ) الذين يقطنون اقليم كسين جيانغ Xinjiang ، الذي تبلغ مساحته مليوناً وستمائة وستة وستين الف كيلو متر مربع ( تساوي مساحة مصر والسودان معاً ) .
علماً ان هذا الاقليم كان يشكل صلة الوصل ، بين الصين وغرب آسيا ، ابان العصر الذهبي لطريق الحرير قديماً . الامر الذي يعني ان المحاولات الاميركية الاوروبية الحاليّة ، للسيطرة على هذا الاقليم هي احدى حلقات الحرب التجارية ، وبالتالي السياسية العسكرية ، ضد الصين ومشروع" طريق واحد حزام واحد " الذي هو كناية عن طريق حرير عصريه .
وعليه فان ما يجري في هونغ كونغ ليس احتجاجات شعبية ، وانما مشروعاً عدوانياً استعمارياً أمريكياً أوروبياً ، يستهدف سيادة الصين ووحدة أراضيها ومستقبل شعبها ومصالحه القومية العليا .
هذه هي حقيقة الامبريالية الامريكية
هذا هو الشيطان الاكبر .
احذروا لعبة تغيير العقيدة الوطنية ، اللعبة التي تتقنها الامبريالية الامريكية وتنفذها في كل بلداننا بصيغ تبدو جذابة لكنها محشوة بالسم..!
بعدنا طيبين قولوا الله