من تلك الجمعة والى هذه
حسين شريعتمداري
1-إنها المدينة وصبيحة جمعة قبل اكثر من الف واربعمائة عام، ليقيم رسول الله(ص) الصلاة ويلقي خطبتي الجمعة، واذا بأصوات الدف والمزامير تطرق الاسماع من بعيد، انها قافلة تجارية ترد المدينة. فانفضَّ الكثير من المصلين تاركين الصفوف المتراصةللصلاة بمجرد سماعهم اصوات الطبول، نحو القافلة للتبضع... فنزلت آيات من سورة الجمعة بهذا الخصوص مورد الشاهد هنا؛" وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقينَ".
2- وهنا طهران يوم الرابع عشر من مارس 1985 أم صلاة الجمعة سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي- إمام جمعة طهران ورئيس الجمهورية حينها- وبينما أطرق المصلون اسماعهم لخطبة الجمعة وقع انفجار مهيب ارتقى 14 مصلياً من صفوف الصلاة الى صفوف الشهداء، واصيب مايقرب من ثمانية وثمانين آخرين، إلا ان صفوف الصلاة لم تتفرق ولم يتخاذل منهم أحد. وارتفعت هتافات الجموع بشعار "الله اكبر، الموت لاميركا، الحسين شعارنا والشهادة افتخارنا".
وحين هم المرحوم "مرتضايي فر" المتحدث باسم مراسم الصلاة، ليبعد سماحة امام الجمعة عن منصة خطبة الجمعة، يثبت سماحته في موقعه ليستمر في إلقاء الخطبةو... واثناء قراءة الدعاء في قنوت صلاة العصر، تصل الطائرات المقاتلة العراقية سماء طهران، ينقلب المشهد بسبب دوي المضادات الجوية وانفجار المقذوفات التي رمتها الطائرات العراقية وكأن الساحة ساحة حرب وليست روضة مناجاة، الا ان المصلين يستمرون في صلاتهم غير آبهين بما يدور حولهم.
سماحة الامام رضوان الله تعالى عليه القى خطاباً لهذه المناسبة؛ "انا لا انسى واقعة الجمعة وعظمة رد فعل المصلين وكيف انجلت بهذه النورانية والثبات وشهدت حالة الاطمئنان لدى الناس، رغم الضجيج واطلاق صليات المدافع الرشاشة. وكنت اجهد في امعان النظر لا تفحص وضع الناس، ولم ار تزلزلا لدى احدهم فيما استمر امام الجمعة خطابه بصوت جهوري والناس اعارته اسماعهم، وهم يهتفون قدمنا للشهادة... واثناء مشاهدتي للتلفاز رأيت كيف ثبت المصلون في مكانهم رغم انفجار القنابل وفيما استمر امام الجمعة في خطبته بصلابة ولم تتغير وتيرة كلامه، بقي الناس في مواقعهم هاتفين؛ الحسين شعارنا والشهادة افتخارنا.
3 ـ يا رسول الله(ص) لقد اثقلت الهموم قلبك المبارك، حتى قلتها بحسرة "شيبتني سورة هود، ولكن لماذا سورة هود؟ انها اشارة للآية المباركة 112 وفيها "فاستقم كما امرت ومن تاب معك..."، وهكذا جاء امر الاستقامة في سورة الشورة " واستقم كما امرت ..."، فما الاختلاف بين فحوى الآيتين، بحيث اثقلت الاولى قلب الرسول وابيض شعره لوقعها، فيما لم تنص الثانية على ما يهم الرسول (ص) ويغمه؟ ونستشف الاجابة من خلال كلمة الامام الراحل(ره)؛
"ان جملة فاستقم كما امرت وردت في مكانين في القران. احدها في سورة الشورى والاخرى في سورة هود، ولكن الرسول الاكرم (ص) تفضل قائلا "شيبتني سورة هود، فلماذا ميز سورة هود؟ لان الآية في سورة هود لها تتمة وهي ومن تاب معك إذ طلبت من الامة الاستقامة. فالذين كانوا مع الرسول (ص) وادركوا ان الرسول رسول الاسلام وآمنوا به، عليهم ان يستقيموا. وهنا اشارة الرسول بان سورة هود شيبته... فالرسول لم يشغله ثباته واستقامته لانه يعلم بقدرته على الاستقامة ولكنه كان يخاف ان لا تستقيم الأمة.
4 ـ وكان تصريح الامام (ره) كالآتي؛
"انا ادعي بجرأة ان الشعب الايراني والجماهير المليونية في عصرنا افضل من شعب الحجاز في زمن رسول الله(ص) واهالي الكوفة في عهد امير المؤمنين (ع)". اليس كذلك؟! ولاجل إثبات احقية المطلب، فان الانموذجين اوردناهما صدر الكلام هو غيض من فيض.