kayhan.ir

رمز الخبر: 10382
تأريخ النشر : 2014November18 - 20:57

أميركا والحالة اللبنانية

حسام مطر

العلاقة بين السياسة والثقافة إشكالية وتشهد جدلاً دائماً، أيهما يؤثر في الآخر؟ مثلاً هل يؤدي التماثل الديني الى إنتاج تقارب سياسي أم أن المصالح السياسية تؤدي الى إنتاج تقارب ديني؟ يذهب جايمس هانتر – بروفيسور الدين والثقافة والنظرية الإجتماعية في جامعة فيرجينيا – الى أن الثقافة أعظم وأسبق من السياسة وتقودها. فيما ألان وولف – مدير مركز Boisi للدين والحياة العامة الأميركية في معهد بوسطن – يشير الى أن القيم الثقافية بما فيها تلك ذات الجذر الديني ليست أبدية أي بمعنى تخضع لإعادة تفسير دائمة وتتغير بصورة دراماتيكية. السياسة قد تكون مهمة لدرجة أنها تحدد الموقف الديني. لكنه يشير الى أن تحديد أيهما الأقوى ليس مطلقاً ويمكن أن يتفاوت بين جماعة وأخرى وكيفية تقديرها للدين والسياسة.

لا شك أن العلاقة متداخلة بنحويجعل من تفكيكها عملية معقدة تجعل من الصعب إطلاق تعميمات من دون العودة الى أطر عمل نظرية تدمج جملة من المحددات التفسيرية. من البديهي إفتراض علاقة متبادلة وتأثير إيجابي بين الإنجذاب الثقافي والتقارب السياسي، إلا أن عدة عوامل قد تتدخل لتضع قيوداً وحدوداً ما بين هذين المجالين. مثلاً, رغم التماهي الثقافي بين ضفتي الأطلسي وحالة الإنجذاب الأوربي للثقافة الأميركية إلا أن ذلك لم يمنع حالة التوتر السياسي والنفور الشعبي في أوروبا إتجاه الولايات المتحدة التي إعتبرتها شريحة واسعة من الأوروبين، عقب إجتياح العراق، بأنها التهديد الأول للسلم العالمي.

ترتكز فكرة القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية أوالإمبريالية الثقافية على فرضية مفادها أن التأثير في ثقافة الآخر – أي قيمه ومعتقداته - وجذبه ثقافياً يؤدي تالياً الى جذبه سياسياً. وقد توسعت الجهود الأميركية الناعمة بعد هجمات 11 أيلول ولا سيما في الشرق الأوسط إلا أن سياسات بوش إدت الى إحباطها بشكل واسع. يظهر من مراجعة إستطلاعات الرأي الدورية لمركز "بيو" الأميركي أن مستوى تفضيل الولايات المتحدة تراجع منذ العام 2002، ثم إرتفع بدء من عام 2009 أي وصول أوباما الى الرئاسة حيث كانت التوقعات الإيجابية مرتفعة، ثم تراجعت بنسب متفاوتة عام 2012.

يلاحظ هنا إستثناء في الحالة اللبنانية, إذا كان مستوى التفضيل اللبناني لأميركا 36% عام 2002، وإرتفع الى 55% عام 2009 ليعود ويهبط الى 48% عام 2012. الإستثناء اللبناني هنا على صعيدين مقارنة بدول العالم الإسلامي المشمولة بالإستطلاع, أولاً من حيث نسبة الزيادة العالية مقارنة بالعام 2002, وثانياً مستوى التفضيل عام 2012 (48%) وهومستوى مرتفع جداً مقارنة بتلك الدول. بشكل عام تبقى الثقافة الشعبية الأميركية أقل شعبيةً في العالم الإسلامي مقارنة بباقي دول العالم. ومن بين الدول الستة في العالم الإسلامي التي شملها إستفتاء "بيو" حازت شعبية الثقافة الأميركية الرقم الأعلى بشكل لافت في لبنان 65%, فيما كانت 30% في تركيا، 38% في الأردن، 36% في مصر، 42% في تونس. (إستطلاع 2012).

إلا أن هذا الإعجاب بالثقافة الأميركية يقترن بالقلق بخصوص مستوى التأثير الأميركي حتى في البلدان حيث لصورة الولايات المتحدة شعبية واسعة, يخلص أحد إستطلاعات "بيو". عام 2012, وعند سؤالهم عن ما إذا كان من الجيد إنتشار الأفكار والعادات الأميركية في بلدانهم, أجاب بالإيجاب فقط 10% من الإردنيين (كانت النسبة 13% عام 2002) , و10% من الأتراك (كانت النسبة 11% عام 2002), و11% من المصريين (كانت 13% عام 2007), فيما أجاب بالإيجاب – بشكل لافت مجدداً - 41% من اللبنانيين (كانت 26% عام 2002).

تظهر الإستطلاعات أن الشرائح الشبابية هي الاكثر إعجاباً وإنجذاباً الى الثقافة الأميركية, وكذلك مستخدمي الإنترنت كون أغلبهم من الشباب أولاً وثم كونهم أكثر عرضةً لمغريات ورموز تلك الثقافة. وبحسب الإستطلاعات، يتناقص مستوى التفضيل والإنجذاب للولايات المتحدة كلما إرتفعت أعمار المشمولين بالإستطلاع، أي أنه عندما يتخلص الفرد من "صدمة" الإنبهار الثقافي ويقارب الولايات المتحدة من ناحية سلوكها السياسي يتجه للنفور والقلق منها. مجدداً يبرز ما هولافت في الحالة اللبنانية، وهوالفارق الواسع بين تأييد الشباب ومن هم فوق ال 50 وذلك بنسبة تقارب 40% زيادة في الإعجاب بالثقافة الأميركية لدى الشباب اللبناني.

بالمحصلة أن التحول في الموقف من الولايات المتحدة وثقافتها تأثر بشكل واضح بالنهج السياسي الذي تتخذه الإدارة الأميركية وقد لاحظنا الفوارق الواضحة بين حقبتي بوش وأوباما. ثانياً أن ما يمكن وصفه "بالإستثناء اللبناني" يعود في أحد أسبابه الى السياسة وخصوصا منذ العام 2005 حيث نجحت الولايات المتحدة في إحداث تحول داخل البيئة السنية اللبنانية من خلال إذكاء العداء السني تجاه إيران وحلفائها على حساب العداء للولايات المتحدة. هذا التحول السني بالخصوص يفسر إرتفاع التفضيل السياسي للولايات المتحدة في لبنان بعد 2005، إذ كان نسبة هذا التفضيل 36% عام 2002, ثم إنخفض الى 27% عام 2003 قبل أن يرتفع الى 42 % عام 2005.

إن هذا النجاح الأميركي في الساحة السنية اللبنانية كان بفضل تعاون تيار المستقبل (الواجهة المحلية للمشروع) وحجم الموارد المالية والإعلامية التي عملت على تحويل التصورات حول العدومن ضفة لأخرى تحت وطأة الضغط النفسي لإغتيال الرئيس الحريري والشحن المذهبي الممنهج. بالمقابل نجحت المقاومة في تحصين البيئة الشيعية الى حد بعيد وتمكنت من تحطيم أجزاء كاملة من الجدار السياسي والثقافي (وإن بدرجة أقل) الفاصل بينها وبين المسيحيين الى حد لافت بفعل التحالف والشراكة مع التيار الوطني الحر. في بلد صغير جداً كلبنان، يمكن لبضع مليارات أميركية ونفطية أن تحدث تحولات هامة من حيث قدرتها في التأثير والتعبئة، هذا أحد التحديات الإضافية التي يفرزها الواقع اللبناني بوجه المقاومة.