دمشق... نقطة تغيير الإستراتيجيات!
فاديا مطر
منذ بدء الحرب على سورية على مدى ما يقارب عقد من الزمن، والدور التركي الحامل لرهانات المشروع الصهيو أميركي في المنطقة يخسر في كلّ معطياته السياسية والعسكرية، فهو دور ربط رهاناته الإقليمية والدولية بتحالفات استراتيجية ما بين العلنية والسرية، وما بين المباشرة والغير المباشرة في أن يكون رأس الحربة لما يقارب الخمس سنوات قبل تغيير الميدان السياسي والعسكري بعد معركة تحرير حلب وما غيّرت بعدها من تبادل الأدوار في استكمال مشروع الحرب، والباقي من قرابة العقد استطاعت دمشق بتحالفاتها الاستراتيجية تغيير شكله ومضمونه في عدة ميادين مترابطة ومنتشرة الجغرافيا، فمثلث سوتشي السياسي نقضه أردوغان في ريف حماة وإدلب وكان التحوّل العسكري فيه بنتائجه أكبر من قدرة أنقرة في تتبّع خطواته المتصاعدة وإجباره على التراجع، وهو تقدّم سوري أسّس لسوتشي بشكل مختلف مكّن التحالف الروسي السوري من قيادة نهايات مشروع واشنطن وأنقرة بشكله الحالي رغم تبادل الأدوار الغربية والتركية في قيادة مشاريع ميليشيا «قسد وبقايا داعش والمجموعات النصراوية»، لا بل شكل التراجع الأميركي من الشمال الشرقي لسورية بوادر نهاية لحلف بكامله على مثلث حدود لم تكن فيه أنقرة بيضة القبان في مرحلة ما بعد الغزو التركي لشمال سورية والضمانات الروسية الأميركية وتراجع ميليشيات قسد، فالتعايش التركي مع «منطقة آمنة» سورية روسية يقود تركيا الى إتفاق أضنة جديد بشكل يفرغ حسابات تركيا من أيّ فائدة جيوسياسية قد يوظفها أردوغان في الداخل، أو قد تفضي لتدخل تركي جديد في نسق حدودي عبرت إليه روسيا وسورية في الشمال الشرقي، وهو بحدّ ذاته هزيمة لمشروع أنقرة من بوابة التخلي الأميركي والإستفزاز الكردي ونقض العهود في منبج وعين عرب وحتى إدلب، فقلب الميدان الدولي يقع في دمشق، ومركز تغيّر الإستراتيجيات بات بقبضة موسكو وطهران في سورية حتى الحدود التي سيطر عليها الجيش السوري بقبول مسافات الأمان ومهلة 150 ساعة لتمكين التمركز الجديد بأدواره الجديدة التي تسيطر على الميدان والجغرافيا العسكرية، وترسم الكتل الوازنة في طريق المعادلة الإستراتيجية على ضوء ما غيّرته دمشق من تقدّم نحو الحدود وبقائها في المرحلة المقبلة كلاعب إستراتيجي رغبت بعض أصوات الكونغرس الأميركي في التكلم معها رغم رفض الإدارة الأميركية حتى الآن…
فالعنوان السيادي لدمشق وتقدّم قواتها نحو الحدود الشمالية جعلها نقطة تغيير الإستراتيجيات الفعلية في توازن القوى في الإقليم، ومحدّد المنتصر في تراجع أركان الحلف الذي حاربها لما قارب 9 سنوات والراغب في دور موازي لنصر موسكو ودمشق وطهران في المعادلة الجديدة التي رسمت التوازنات وغيّرت معها شكل المنطقة بكلّ أدوات مشروع الحرب الصهيو أميركي، وهو الشكل الجديد الذي تتحضّر أغلب الدول الأوروبية لقبوله بنتائجه الحالية والتعامل معه كواقع فرضته مغيّرات دمشق لشكل الميدان الجغرافي، وبذات الوقت هو واقع تحاول واشنطن العودة إليه بصيغة شريك للناتو في ما أنتجته موسكو من سوتشي جديد في الشمال الشرقي لسورية وسقوط السقوف التركية والأميركية في تغيير شكل الحدود وسياسة الداخل السوري، مع عدم إمتلاك خارطة عسكرية لمنطقة إدلب التي باتت بعد وصول الجيش السوري الى الحدود بحكم الساقطة نارياً، وهو ما حاولت تركيا وواشنطن مراراً من جعلها عقدة الطرق في طريق توصيل «الحدود الكردية» من كردستان حتى المتوسط وإفراغه من أكراده لملئ الفراغ الجغرافي بمشروع تركي أميركي تدعمه واشنطن من التنف حتى حدود أنطاكيا وتقطع فيه التواصل السوري والروسي مع طهران في نطاق الرقة والحدود الأردنية العراقية في البوكمال، وتطويق المقاومة اللبنانية بمقايضات الأمن مقابل النفط، وتعويم الدور التركي كراعي لمسافات ما يسمّى المناطق الأمنة بديلاً عن روسيا في معادلته «الجديدة» وهي خيارات وسياق إستراتيجي غيّرته دمشق من موسكو وغيرت قواعد إشتباكه المقاومة اللبنانية من طهران في عمقه الذي تحرسه تل أبيب في كلّ سياقه، فترجمة الإستراتيجية الجديدة جعلت شركاء دمشق هم العائد الأول لأيّ تغيّر في الميدان والساحات التي تشتبك فيها واشنطن عبر كلّ الأقليم الشرق آسيوي، والتغيير الإستراتيجي لوصول دمشق الى ما كان مستبعداً قبل معركة حلب بات أمراً واقعاً بحذافيره كلها، ليكون رأس حربة قيادة الحروب والصراعات في المنطقة يبحث عن مخارج تخفف من عبء الخسارات، وترسم الشكل الذي تسوقه تفاهمات الخطوة الأخيرة حتى المستويات التي ترتضيها دمشق من ما تبقى من إدلب الى العقوبات والنفط والسياسة الخارجية، ولم تعد مقايضة الخروج الإيراني والروسي من سورية مع «أمن إسرائيل» حاكمة في أجندات واشنطن في سورية بعد الإنسحاب، لتكون قراءات السياسية والميدان في الخرائط الجغرافية التي رسمتها واشنطن لسنوات هي بقبضة دمشق التي غيّرت كلّ الحسابات الإستراتيجية والتي أسقطت مشاريع الحرب وغيّرت معها البدائل التي حلمت فيها أنقرة وواشنطن سابقاً في أن تكون هي الحاكمة الجديدة في مشروع صدّ محور المقاومة أو حتى تبديل شكله وسياسته . فهل العودة لمشروع البدائل سيفضي بتركياً الى تقبل سوتشي ينهي أدلب؟ أم أنّ ورقة ميليشيات قسد كانت درساً فاعلاً لما بقي من مجموعات إرهابية تحاول فيها أنقرة تسجيل خطوة أخيرة تجاه بيعها في مزاد الشمال الغربي السوري؟ هي ما ستغيّره خرئط الجيش العربي السوري من خطوات تركية بعد الإمساك بالحدود الشمالية الشرقية، وما ستنتجه خطوات سوتشي الذي وضع النقاط على الحروف بعد زيارة الرئيس الأسد إلى مشارف إدلب والرسائل التي قالت كلمتها العلنية.