kayhan.ir

رمز الخبر: 10307
تأريخ النشر : 2014November17 - 21:04

رهانات أبومازن ونتنياهو

د. محمد السعيد إدريس

قبل أيام قلائل من تفجر الأحداث في القدس إثر قيام حارس أمن "إسرائيلي" بقتل الشاب الفلسطيني عبدالرحمن الشلودي من بلدة سلوان، وبالتحديد في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الفائت أبدى الرئيس الفلسطيني محمود عباس تقديره بأن "التهدئة الراهنة في قطاع غزة مع "إسرائيل" سوف تستمر حتى نهاية العام المقبل على الأقل". هذه الرؤية التي يبدو أنها أقرب إلى "المقامرة" منها إلى "المراهنة" جاءت في كلمة ألقاها أبومازن أمام وفد لرجال الأعمال الفلسطينيين في رام الله أثناء عرض حوار له في هذا الشأن مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. وكان مسؤول فلسطيني رفيع المستوى قد أشار في حديث لصحيفة "هآرتس" الصهيونية إلى التقرير الذي تحدث عن "مبادرة أمريكية جديدة" لتحريك المفاوضات، وأوضح هذا المسؤول أن كيري لم يعرض على الرئيس الفلسطيني في لقائهما الأخير بالقاهرة على هامش مؤتمر "إعادة إعمار قطاع غزة" أي مبادرة لاستئناف المفاوضات مع "إسرائيل"، وشدد على أن القيادة الفلسطينية إذا تلقت عرضاً باستئناف المحادثات على أساس حدود العام 1967 فإنها سوف تبحث فيه.

لم تمض أيام قليلة على هذا التفاؤل الذي أبداه الرئيس الفلسطيني على استمرار التهدئة في قطاع غزة حتى نهاية العام المقبل، حتى انفجرت الأحداث في القدس وامتدت إلى مناطق متفرقة في الضفة الغربية إثر اغتيال الشلودي الذي اتهم بدهس عدد من المستوطنين بسيارته رغم تأكيدات الشهود بأن الشاب لم يتعمد الحادث بل فقد السيطرة على سيارته التي كانت خالية تماماً من أية متفجرات أو أسلحة.

هذا الحادث فجر تداعيات هائلة وردود فعل واسعة في أوساط الفلسطينيين و"الإسرائيليين" ما جعل الكثيرين يتحدثون عن بوادر تفجر "انتفاضة ثالثة" تكون القدس مركزاً لها، وهي الانتفاضة التي مازالت كامنة منذ خطف مستوطنين للشاب المقدسي محمد أبوخضير وإحراقه حياً والتمثيل بجثته. كل ذلك يأتي في الاتجاه المعاكس لتفاؤل عباس بخصوص التهدئة إضافة لأسباب أخرى. أول هذه الأسباب، أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تسوية حقيقية على قاعدة إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967، فمحتوى ما سبق طرحه ضمن مبادرة كيري، لا يتضمن أي ذكر لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة، ولا لوجوب وقف الاستيطان، ولا للمدة الزمنية لقيام الدولة أو غيرها من المسائل الأساسية، وهذا ينطبق أيضاً على ما يجهز الآن من أفكار أمريكية بخصوص تحديد مساعي التسوية والتفاوض التي تتجاوز حدود حركة العلاقات العامة التي تستهدف خدمة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، من خلال استمالة المنظمات الصهيونية لدعم مرشحي الحزب الديمقراطي وتصحيح أو تجميل صورة العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية" التي تأثرت سلباً بالخلافات المثارة حول إيران بين أوباما ورئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو.

يمكن أيضاً توقع أن تكون المبادرة الأمريكية المزعومة ورقة ضغط على السلطة الفلسطينية لمقايضة التفاوض (الوهمي) بتراجع السلطة الفلسطينية عن مسعى التوجه إلى مجلس الأمن لتحديد سقف زمني لإقامة الدولة الفلسطينية. لكن هناك أيضاً ما يمنع كيري من التورط في مشروع تفاوض جاد بين الفلسطينيين والكيان وهو تجدد الهجوم العنيف على شخص كيري لتزعمه الدعوة إلى مفاوضات على أساس "حل الدولتين" أي مع قيام دولة فلسطينية.

كيري تعرض لهجوم حاد من جانب وزير الحرب "الإسرائيلي" موشيه يعالون لحماسه ودعمه للتفاوض الفلسطيني "الإسرائيلي" الذي سبق العدوان على قطاع غزة، فقد اتهم يعالون كيري بأنه "غير واقعي وساذج" كما أغضب يعالون الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام حين اتهمها ب "الضعف فيما يتعلق بإيران" ومشككاً أيضاً ب "الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل". الهجوم تجدد على كيري مرة أخرى ولكن على لسان زعيم حزب "البيت اليهودي" وزير الاقتصاد نفتالي بينيت بمجرد تجدد الحديث إعلامياً عن وجود نية لدى كيري طرح مبادرة جديدة للتفاوض. واعتبر بينيت أن الإشارة التي وردت على لسان كيري بأن عدم حل القضية الفلسطينية يعزز "داعش" تعتبر "تأكيداً على أنه يتهم اليهود في كل شيء.

أما السبب الثاني فله علاقة مباشرة بالسبب الأول ويخص حسم الحكومة "الإسرائيلية" لموقفها من التفاوض مع الفلسطينيين ومسألة الدولة الفلسطينية ورفضها لهذا المسار عملياً، واختيار طريق المواجهة الشاملة مع الشعب الفلسطيني وإعطاء الأولوية لإقامة "إسرائيل الكبرى كدولة يهودية"، وباللجوء إلى أشد أنواع العنف لقمع أي حركة ترفض هذا الخيار "الإسرائيلي".

هذا الحسم جاء بعد قرار نتنياهو باللجوء إلى خيار "تقوية التحالف الحكومي" وإرضاء المتشددين في الحكومة بتشدد في مواجهة الفلسطينيين والتخلي عما كان يسمى ب "التجميد الهادئ" لحركة الاستيطان مقابل استقرار ائتلافه الحكومي.

فعقب عقد صفقة نتنياهو مع صقور الحكومة، تم الإعلان عن خطة لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية وتوسيع الطرق المؤدية إلى المستوطنات في الضفة.

لم يكتف نتنياهو بذلك بل قرر أن يواجه الغرب كله وخاصة الولايات المتحدة إذا ما وقفت معترضة على ما يراه حقوقاً ل "إسرائيل"، وأعلن رفضه أن "يملي أحد على "إسرائيل" شروطاً يمكن أن تعرض أمننا ومستقبلنا للخطر، وتبعد السلام الذي نتمناه"، وشدد على أن "إسرائيل لن تقبل بدولة فلسطينية إلا ضمن تسوية سلمية حقيقية تعترف بها كدولة قومية للشعب اليهودي".

وزاد في المصارحة مع الغرب بقوله إن "هناك اتفاقاً جماهيرياً" واسعاً بأن ل "إسرائيل" الحق التام في البناء في الأحياء اليهودية في القدس وفي الكتل الاستيطانية، فكل الحكومات "الإسرائيلية" فعلت ذلك في الخمسين عاماً الماضية، وحتى الفلسطينيون يعرفون أن هذه المناطق سوف تبقى بأيدي "إسرائيل" في أي تسوية مستقبلية. الفرنسيون يبنون في باريس، والإنجليز يبنون في لندن، و"الإسرائيليون" يبنون في القدس.. لماذا يقولون لليهودي لا تبني في القدس؟".

هناك سبب ثالث يبدد أي أمل للتفاؤل بالحل يتعلق بجدية نوايا "الإسرائيليين" بضم وتهويد المسجد الأقصى. فالتصعيد "الإسرائيلي" بخصوص القدس والأقصى لم يعد يقتصر على منع المصلين من دخول الأقصى، بل شمل زيادة عدد الاقتحامات المتتالية ونوعية من يقومون بها من مستوطنين متطرفين، في حين يستعد الكنيست لمناقشة مشروع قانون يمنح اليهودي الحق في دخول الأقصى وتقسيمه وفق جدول محدد زمانياً ومكانياً. تحذيرات الشيخ محمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية كشفت المزيد من أبعاد المخطط "الإسرائيلي" بتهويد الأقصى حيث قال إن هذا المخطط يأتي ضمن برنامج التهويد لمدينة القدس بإيجاد واقع جديد في الأقصى من خلال إجراءات متعددة كان أولها مصادرة مفاتيح باب المغاربة الذي بات يخصص لدخول واقتحامات المستوطنين، وثانيها مطالبة السلطات "الإسرائيلية" بتخصيص باب القطانين هو الآخر لاقتحامات المستوطنين، وثالثها منع المسلمين من دخول الأقصى في الأعياد اليهودية، ورابعها احتجاز هويات المصلين والتحكم في فتح وإغلاق أبواب المسجد حتى وصل الأمر إلى مناقشة قانون "تقسيم الأقصى".

هذه الأسباب تكشف حقيقتين أولاهما أن لا مبادرة تفاوض أمريكية حقيقية على قاعدة "حل الدولتين"، وثانيتهما أن "إسرائيل" عازمة على فرض نفسها "دولة يهودية كبرى"، وأنها ما زالت تعيش كما أوضح رئيس حكومتها في كلمة له في ذكرى مقتل الوزير رحبعام زئيفي في "حرب 1948 التحريرية". فقد أكد نتنياهو أن حرب 1948 لم تنته وستستمر لسنوات طوال، وكرر موقفه بأن "القدس الموحدة كانت وستبقى عاصمة إسرائيل إلى الأبد".