kayhan.ir

رمز الخبر: 102572
تأريخ النشر : 2019October13 - 21:02

تحوّلات إقليمية... لبنان يدفع الثمن


عباس ضاهر

لم يخرج الإقليم من حال الإضطراب السياسي والميداني، فزاده القرار الأميركي بالإنسحاب العسكري ضياعاً، لأنّ هناك من شكّك بمضمون وجدّية الخطوة الأميركية، إستناداً إلى إشارتين:

أولاً، لا تقبل "​الدولةالعميقة" فيالولايات المتحدةبإستراتيجية الرئيس الأميركيدونالد ترامبالذي يدعو الى الخروج وعدم المشاركة بأيّ حروب لحماية أيّ حليف شرق أوسطي. ثانياً، لدى الأميركيين قواعد عسكريّة ضخمة وهم يبنون الآن أهم سفارة لهم فيلبنان​، ممّا يؤكد أنّ المنطقة هي في أول حساباتهم، خصوصا أن الإقليم يحتوي ثروات طبيعية لا يجب التنازل عنها، عدا عن تهديد دول وقوى في المنطقة للوجود الإسرائيلي.

وفي الحالتين: إذا خرج الأميركيون نهائياً سيخسرون كل النفوذ في الإقليم، وإذا كان خروجهم جزئياً فيعني هذا الأمر فرض الشراكة معهم وعدم تفرّدهم بالقرار والإستثمار كما كان يحصل منذ عقود.

ولذا، فَهِمَ حلفاء الولايات المتحدة تلك المعادلةالجديدة​، فقرروا الدخول في تسويات تتيح لهم المشاركة في محاصصات النفوذ الإقليمي. لا يعني ذلك نهاية الحروب، بل حصول تحولاّت جدّية قائمة على: أولاً، خسارةالدول الخليجيةفي حرباليمننتيجة عدم تحقيق أهدافها. ثانياً، ثباتايرانفي تصدّيها للتهديدات والعقوبات. ثالثاً، إستعداد القوى المتنازعة للدخول في مفاوضات، ولا سيما بينالسعوديةوايران، الأمر الذي كانت ترفضهالرياض​، أو تضع له شروطاً مسبقة. رابعاً، إختلاف الأجندة السعودية عن الرؤية الإماراتية كما أظهرت وقائع حرب جنوب اليمن. خامساً، قدرةسورياعلى تجاوز مرحلة المخاطر السياسية والإقتصادية والعسكرية من دون تنازلات جوهرية. سادساً، تعديلانقرةلسياساتها إتجاه سوريا وتخطيها موقف الرئيس التركيرجب طيب اردوغانعملياً بشأن رئاسة الرئيس السوريبشار الأسد​، وقبول الأتراك التنسيق العسكري بين انقره ودمشق، رغم أحداثالشمالالسوري الجارية حالياً التي أخبرت فيهاالقيادةالتركيّة القنصلية السوريّة فيإسطنبولبقرار الاتراك التقدم عسكرياً في المعركة ضد الكرد. سابعاً، تثبيتروسياموقعها الوسطي بين كل قوى الإقليم ودخولها طرفاً محايداً لتقريب وجهات النظر، وشبك تحالفات بينها وبين الأتراك والإيرانيين والسعوديين. ثامناً، إنتقالالعراقمن الإرتباط مع الأميركيين الى موقع يوازي فيه مصالح الإيرانيين والأميركيين في ميزان يطغى فيه دور طهران من خلال النفوذ فيالحشد الشعبيبشكل أساسي. تاسعاً، يتحرك الرئيس الباكستاني بين الرياض وطهران بعد تفويض العاصمتين له كي يلعب دوراً توفيقياً لإيجاد تسوية بينهما. عاشراً، تزايد الحديث عن رغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الإنشغال بالداخل السعودي إقتصاديا وتطوير وضع المملكة لفرضها بلداً متقدّماً خلال خمس سنوات.

كل تلك الوقائع تشكّل تحولات، لم يكترث لوجودهااللبنانيونحتى الآن. لا زالوا في مرحلة الترقب والإنتظار. هناك قوى لبنانيّة تعتقد انّ الأميركيين لا يزالون قادرين على اللعب بالساحة الداخلية من خلال الإقتصاد، مستندين الى العقوبات. لكن التحولات تسبق اللبنانيين فيدفعون ثمن تأخرهم عن اللحاق بما يجري. فلماذا يستعدّ الخليجيون الى ترتيب الامور مع سوريا، بينما لا تقومالحكومةاللبنانّية بأيّ خطوة رسميّة متكاملة، على الأقل للطلب من السوريين تخفيض الرسوم الجمركيّة علىالشاحناتاللبنانيّة المتوجّهة الىالأردناو العراق ومن خلالهما الى دول اخرى، عبر الأراضي السوريّة.

لم يعد يتحملالإقتصاد اللبنانيالترف السياسي القائم. ولا بد للحكومة ان تتخذ مصلحة اللبنانيين أولوية لا تتجاوزها أولويات.
كما أنّ لبنان يدفع الثمن ضياعاً داخلياً في تحديد التوجهات السياسية، نتيجة الإضطراب الإقليمي الذي يستبق ويوازي المفاوضات. قد يقول أحد المتضررين من تلك التحولات، لا يمكن حسم الاتجاهات حاليا خصوصا ان تنظيم "داعش" يخطّط لتنشيط معاركه بين شرق سوريا ووسط العراق، وعندها ستختلط الحسابات من جديد. لكن هناك من يردّ على ذاك الإفتراض بالقول: مجرّد انتكاسة أيّ تنظيم تعني إندثار قدراته، فلن يقدر على التمكين ولا فرض النفوذ، وكل ما يفعله هو حوادث متنقلة وهجمات إرهابية يائسة لا تغيّر شيئاً في مسار المعادلات الجديدة.