kayhan.ir

رمز الخبر: 102436
تأريخ النشر : 2019October11 - 19:54

فوضى ما بعد الانسحاب الأميركي من سوريا


سركيس أبوزيد

رغم أن الأزمة السورية دخلت عامها التاسع، فإنها لم تبلغ بعد حد التسوية أو الحل السياسي. من جهة أعاد الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية الحرارة إلى العملية السياسية والمتابعة الدولية لها، ومن جهة أخرى كشف بيان الخارجية الأميركية المرحّب بتشكيل "الدستورية"، من دون المطالبة بتمثيل القوى الكردية الحليفة لها، عن غياب الرعاية السياسية الفعلية للأكراد ضمن ما يُطرح من حلول سياسية لإنهاء الحرب. ويرى البعض أن من لم يدافع عن تمثيلهم في "الدستورية" سيسمح لتركيا باستباحة مناطقهم حينما تنتهي مصالح واشنطن معهم.

مؤخرًا برزت اختلافات في أوساط الإدارة الأميركية، تجاه الموقف من أكراد شمال سوريا ومستقبل العلاقة معهم. فهذه المرة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا سواء كان جزئيًا يقتصر على القوات المنتشرة في منطقة الحدود المحاذية لتركيا، أو قرارا يشمل كل المناطق الكردية في سوريا، هو قرار للتنفيذ ولا رجوع عنه، ويعني أن ترامب قرر الانسحاب السياسي من الأزمة السورية، وأن سوريا لا تمثل لبلاده مصلحة استراتيجية، ولا يعنيه ولا يهمه أن يكون شريكا في رسم مستقبلها السياسي، فمنذ لحظة وصوله الى البيت الأبيض لم يكن ترامب مقتنعًا بالبقاء في سوريا وأراد سحب القوات الأميركية في إطار "استراتيجية انسحاب" من كل الحروب التي يسمّيها "سخيفة" في الشرق الأوسط.

الأكراد بعد قرار ترامب واقعون تحت الصدمة والخيبة. يشعرون أن رهانهم على الولايات المتحدة قد خاب، وأن الأميركيين طعنوهم في ظهرهم وتركوهم لمصيرهم يتدبرون أمورهم. يكتشف الأكراد مرة جديدة أن تحالفهم مع الأميركيين والقتال الى جانبهم لا يشفع لهم عندما يحين أوان الاستحقاقات والصفقات الكبرى بين الدول التي لا تتصرف إلا وفق مصالحها. ومصلحة واشنطن الآن هي تقديم تحالفها مع تركيا على تحالفها مع الأكراد، وبالتالي هذا يعني أن العد العكسي لسقوط مشروع الفدرالية أو الإدارة الذاتية الكردية في سوريا قد بدأ، وخيبة أكراد سوريا كانت سبقتها العام الماضي خيبة أكراد العراق بعدما أخفق مشروع الاستفتاء على استقلال كردستان، وبدا أن مراعاة الشراكة مع إيران في العراق وموجبات التحالف مع تركيا هي الأهم، فكان الضوء الأخضر لإسقاط كركوك وسحبها من السيطرة الكردية. فقرار الانسحاب الأميركي هو إشارة لفتح الطريق أمام تركيا للدخول عسكريا الى الأراضي السورية بعمق يتراوح بين 15 كيلومتر كحد أدنى و 35 كيلومتر كحد أقصى لفرض المنطقة الآمنة والعازلة. وهذا يعني أيضاً سقوط المشروع الكردي في سوريا، الذي ثبت أنه غير قابل للتحقيق على أرض الواقع نتيجة تشابك المصالح الدولية والإقليمية.

مؤخرًا برزت اختلافات في أوساط الإدارة الأميركية تجاه الموقف من أكراد شمال سوريا ومستقبل العلاقة معهم

واردوغان عاد بالفعل مجددا للتلويح بورقة العملية العسكرية لفرض المنطقة الآمنة، ويقول إن بلاده لم يعد بمقدورها الانتظار ولو ليوم واحد فيما يتعلق بإقامة "المنطقة الآمنة" في شمال سوريا. لذا عمل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على مفاجأة زعماء العالم بخريطة رفعها خلال كلمته في الأمم المتحدة مؤخراً، وقال إنها حدود "المنطقة الآمنة" على طول 480 كلم وعمق 30 كلم، وإنه يخطط لإسكان مليوني سوري فيها.

الجيش التركي بدأ عملية عسكرية واسعة في شمال سوريا أسماها "عملية نبع السلام"، تتقدمه فصائل سورية معارضة وموالية لتركيا، هذه العملية هي "أكثر من توغل وأقل من اجتياح"، وتحظى بضوء أخضر أميركي وروسي. وقد سارع إردوغان الى اقتناص هذه الفرصة السانحة واندفع في اتجاه الأراضي السورية غير آبه بمخاطر ونتائج هذه المغامرة. فالخطة التركية هذه المرة ترمي الى ما هو أبعد من توجيه ضربة لأكراد سوريا وإبعادهم عن الحدود وقطع تواصلهم الاستراتيجي مع أكراد تركيا. فأنقرة تفكر في تغيير التركيبة الديموغرافية لشمال شرقي سوريا وإضعاف المكوّن الكردي لمصلحة المكوّنين العربي والتركماني، ما قد يفتح الباب أمام مواجهات واضطرابات عرقية لا تنتهي.

توغلت تركيا في شمال سوريا تحت غطاء الانكفاء الأميركي والتواطؤ الروسي. وفي هذه الحالة لم تعد تنفع كل حركة الاستنفار على مستوى أوروبا التي تشعر بالقلق من أن تؤدي العملية التركية الى مواجهات واسعة مع الأكراد والى زعزعة الأوضاع في الشمال السوري، بما يؤدي الى اندلاع أزمة لاجئين جديدة. والأخطر من كل ذلك، أن يؤدي القتال والفوضى الى هروب مقاتلي "داعش" المعتقلين لدى الأكراد وعددهم يقدر بنحو عشرة آلاف بينهم ألفا أجنبي. ولذلك دعت الدول الأوروبية، التي انكشف دورها المتراجع وتأثيرها الضعيف، الرئيس ترامب الى إعادة النظر في موقفه. أما الاستنفار العربي، فليس أفضل حالا ولن يكون ذا جدوى، وأقصى ما يمكن أن يتمخض عنه الاجتماع الطارئ للجامعة العربية هو فتح ملف عودة سوريا الى الجامعة العربية، بعدما خاب أمل العرب بترامب.

الأنظار تتجه الى واشنطن لتحديد طبيعة الانسحاب أو الانكفاء الأميركي ومداه، وما سترسو عليه سياسة ترامب المحاصر بضغوط قوية من الداخل والخارج. ففي الولايات المتحدة جدل حاد بشأن قرار ترامب الذي ستكون له مضاعفات بعيدة المدى على مكانة الولايات المتحدة وسمعتها في العالم، والذي يعني تسليم مستقبل سوريا الى ثلاث دول ليست أميركا إحداها وهي روسيا وإيران وتركيا.

في واشنطن صدمة إزاء الطريقة الاعتباطية والخطيرة التي اتخذ فيها ترامب قراره وأعلنه، في شمال سوريا خيبة عميقة عند الأكراد من تخلي ترامب عنهم، وفي الخليج شكوك وتزعزع الثقة أكثر بترامب بعد تخليه عن حلفاء أميركا في سوريا. وفي أوروبا قلق من سياسة أميركية تركت الباب مواربا أمام تركيا كي تتوغل في الشمال السوري وزادت في تعقيد الأزمة السورية، ووضعت المنطقة أمام سيناريوهات مقلقة، بدءا من عودة "داعش" مرورا بأزمة لاجئين دولية جديدة، وصولا الى تغييرات في التركيبة والتوازنات الديموغرافية تكون عنوانا لاضطرابات ومواجهات طويلة الأمد.. وخاصة فوضى جديدة بين حلفائها.