الشيخ فرحان المالكي .. صوت الإعتدال المُغيب
ماجد حاتمي
هناک من يري في تحميل السلطات السعودية ، المجموعات المتطرفة وحدها ، مسؤولية الجريمة الارهابية التي شهدتها قرية الدالوة في محافظة الاحساء ليلة العاشر من محرم هذا العام ، محاولة للتستر على الجهات الحقيقية التي تقف وراء هذه الجريمة النکراء ، وهي ليست سوي مشايخ التکفير والتطرف والمغالاة الذين طفحت بهم السعودية.
[اللافت ان السلطات السعودية تحاول عبر مواقفها المعلنة والاعلام التابع لها ، الايحاء للشعب السعودي والراي العام العالمي ، ان صبرها قد نفد ازاء الاصوات التي تنفخ ليل نهار وبشکل علني بنار الفتنة الطائفية ، بينما على الارض لم تُسجل اية حالة اعتقال او ملاحقة او حتي تضييق لهذه الاصوات رغم کثرتها.
للاسف ان السلطات السعودية التي تدعي محاربة التطرف في المملکة ، لم تلجم لحد الان اي صوت من هذه الاصوات التکفيرية التي ساهمت وتساهم في اذکاء نار الفتنة الطائفية ، کما انها اقدمت مؤخرا على اعتقال المفکر الاسلامي الشيخ حسن فرحان المالکي ، الذي يعتبر من الاصوات المعتدلة والبعيدة کل البعد عن الطائفية ، لمجرد دعوته لاعتماد خطاب معتدل ومنصف ازاء الشيعة في السعودية ، وکذلک دعوته للجم الاصوات المتطرفة التي تدفع البلاد الى حالة من الانفجار.
کان الاولي بالسلطات السعودية ان تصغي للشيخ المالکي وان تاخذ بنصائحه ، التي حذر من خلالها اکثر من مرة من خطورة الغلاة والمتطرفين ، الذين هيمنوا على مفاصل مهمة في الدولة ، فالعمل بهذه النصائح هي التي کانت تجنب السعودية هذه الجرائم الارهابية التي يذهب ضحيتها الابرياء.
اعتقال الشيخ المالکي ، جاء على خلفية انتقاده لحکم الاعدام الصادر ضد اية الله الشيخ نمر باقر النمر ، وکذلک انتقاده للخطاب التحريضي التي تتبناه المؤسسة الوهابية ضد الشيعة في السعودية ، محذرا من ان هذه الاساليب وهذه المواقف هي التي تدفع بالامور في المملکة الى مزيد من الاستقطاب الطائفي ، وتلبد سماء المملکة بالغيوم الطائفية التي قد تنهمر جرائم واعمال عنف ، تسلب عن المجتمع استقراره وامنه.
تجاهل السلطات السعودية لتحذيرات ونصائح الشيخ المالکي وامثاله ، هو الذي قاد الى ما حدث في الدالوة ، فالذي حصل في ليلة العاشر من محرم کان نذير شؤم لايام مقبلة حبلي باحداث لا تقل مرارة عن مرارة جريمة الدالوة . ان تجنب المعالجة الجذرية لظاهرة التطرف والتکفير ، والاکتفاء بالتعامل الامني معها سيزيد من استفحالها وانتشارها.
نصيحة الشيخ المالکي للسطات السعودية ، والتي اعلن عنها اکثر من مرة ، واخرها وهو في السجن کما ينقل عنه نجله ، هي دعوته الى معالجة التطرف معالجة استراتيجية ، تتمثل بالترکيز على النقد الذاتي ، بداية من نقد التراث الوهابي نفسه ثم السلفي ثم التاريخي.
ويري الشيخ المالکي ان من واجبه مساعدة الدولة السعودية لاخراجها من ورطتها ، فالجهات التنفيذية و وزارة التربية والتعليم والاعلام و وزارة الشوؤن الاسلامية قد رسخوا ثقافة شعبية مغالية عامة يتبناها اغلب الشعب السعودي .. لذلک الدولة في ورطة بين محاربة الغلو والاستجابة له ، وهو ما يفسر سجن من يدعم التطرف مع من يحارب التطرف في زنزانة واحدة ، لان الدولة والمؤسسات التنفيذية تأبي الاستجابة للعلاج الجذري للتطرف، وانما تعالج معالجات ساذجة.
کما يدعو الشيخ المالکي الجهات التنفيذية في المملکة الى ان تترفع عن مسايرة الغلاة وعن التأثر بضغوطاتهم ، لذلک نراه يتهم الوهابية والمتطرفين بالأجهزة الحکومية بانهم هم من اعتقلوه ، فهو يقول في رسالة لنجله من سجنه ، لسنا اصحاب تنظيم سياسي او معارضة سياسية، ولا حتي معارضة مذهبية، لا حتي معارضة مذهبية للمذهب القائم ، وإنما نحن معارضة فکرية للغلو، سواء کان هذا الغلو معادياً للدولة او داخل مؤسسات الدولة، وسنبقي على هذا الموقف المعتدل الهادي المعرفي.
ولکن کيف يمکن محاربة الغلو الذي يهيمن على المشهد الديني والاجتماعي في السعودية وبشکل جذري يقطع دابر التطرف والتکفير؟، يري الشيخ المالکي ان افضل وسيلة لانقاذ السعودية من الغلو والتطرف تکمن في عدم الاستسلام للاصنام المعرفية وهي : ( صنم السلف , صنم الصحابة , صنم العلماء ) ، وهي اصنام يجب تفکيکها بالنصوص الشرعية (ان يخضع الصحابة والعلماء والسلف للقرآن الکريم والسنة النبوية)، کما يقول المالکي ، فمن ذمته النصوص ذممناه - ولو کان صحابياً - ومن مدحته النصوص مدحناه - وإن انعدمت النصوص سيکون التقييم بالوقائع التاريخية - سواء من حسن سيرة او من سوء سيرة.
هذه الاستراتيجية التي يؤمن بها الشيخ المالکي لمحاربة الغلو والتطرف والتکفير في السعودية ، هي استراتيجية يتمسک بها حتي وهو في السجن حيث يقول مخاطبا نجله : يبقي نقدي في الغلاة قديماً وحديثاً في مکانه.. ولن يتزعزع الا ببرهان.. لن يتزعزع بالاستعداء ولا بتحالف الغلاة مع المؤسسات الحکومية ضدي، فنحن اصحاب برهان ومعرفة ومواطنون، لنا حق التفکير والتعبير.. وليس من العدل ان يتم اعتقال صاحب الفکر مع صاحب الحزام والتفجير.
مثل هذا الرجل وبدلا من ان يکرم لحرصه على شعبه وبلده واسلامه ، نراه يسجن في زنزانة واحدة مع عتاة المجرمين والمجانين ، فيما دعاة التکفير ينفثون سمومهم في المجتمع دون حسيب ولا رقيب ، بينما السلطات السعودية لا تنفک تتساءل عن اسباب ميل الشباب السعودي نحو التطرف والعنف؟!.