Wednesday 21 November 2018
رمز الخبر: ۸۵۰۷۲
تأريخ النشر: 05 November 2018 - 20:40
في ذكرى استشهاد الرسول الأكرم وحفيده الرضا..


* جميل ظاهري

تعمد التاريخ الأموي التستر على محاولات الإغتيال التي تعرض لها نبي الرحمة والمودة من قبل أعدائه وأقرب المقربين إليه آنذاك، ومرّ عليها مرور الكرام لعدم فضح أسرار الطلقاء وحلفائهم اليهود الذين لايضمرون للاسلام والمسلمين سوى الكراهية والحقد والضغينة، وتآمروا على إخفاق الرسالة السماوية السمحاء بسنين طويلة قبل بزوغ فجرها المشرق الذي أنقذ البشرية من الضلالة والشرك والقبلية والجهالة، نحو النور والعدالة والمساواة والعلم والمعرفة والتعاون والتآخي التي تفتقدها الأمة منذ رزية الخميس ومؤامرة السقيفة حتى يومنا هذا بإستثناء خلافة الامام علي أمير المؤمنين عليه السلام.

"الاغتيال" مصطلح يستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية مهمة ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري أو قيادي ويكون مرتكز عملية الاغتيال عادة أسباب عقائدية أو سياسية أو اقتصادية أو انتقامية تستهدف شخصاً معيناً يعتبره منظمو عملية الاغتيال عائقاً لهم في طريق انتشار أوسع لأفكارهم أو أهدافهم. كما ويستعمل مصطلح الاغتيال في بعض الأحيان في إطار أدبي لوصف حالة من الظلم والقهر وليس القتل الفعلي، كاستعمال تعبير "اغتيال الفكر" أو "اغتيال قضية" أو "اغتيال وطن" أو "اغتيال البراءة" وغيرها من التعابير المجازية.

لم تعرف الأمم السابقة انتهاكات صارخة وكثيرة وشديدة للنفس الانسانية كما عرفته "أمة اليهود" ماضياً وحاضراً، بل وإن وحشيتهم فاقت كل التصورات التي قد يدركها العقل البشري، أو تتقبلها حتى النفس المجرمة سوى أتباع أمية الطلقاء الذين أسسوا للمكر والتحريف والتزييف بفكرهم التكفيري يعيثون في الأمة الاسلامية الفساد منذ سقيفة بني ساعدة حتى يومنا هذا؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْيَوْمِ تَقْتُلُ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ يَقُومُ سُوقٌ لَهُمْ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ". كيف يمكن لنا أن نتخيل أمة أو قوم بهذا الجحود والوحشية وقسوة القلب وتحجُّر الفؤاد تفعل مثل هذه المجازر بأنبياء الله سبحانه وتعالى ورسله وأوصيائه، فهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا إن كانوا رسلاً أو أنبياء أو أوصياء أو اناس عاديون كما جاء وصفهم في القرآن الكريم: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.." سورة المائدة – الآية 82 .

تروي المساند الموثقة أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تعرض لأكثر من 20 محاولة إغتيال خطط لها اليهود بمساعدة قريش أبو سفيان وأعوانه الماكرين، شارك فيها العديد من كبار الصحابة، ومنها محاولة أغتياله (ص) ليلة المبيت، وفي غار ثور، ومحاولة سراقة بن مالك الجشعمي، ومحاولة أبوجهل (عمرو بن هشام) بإلقائه حجرة كبيرة على رأس الرسول (ص)، ومحاولة عمر بن الخطاب قبل إسلامه، ومحاولة عقبة بن أبي معيط في غزوة بدر الكبرى، وعدة محاولات في معركة أحد منها محاولة بن أم قنئة وضربه بالسيف على كتفه المبارك (ص)، ومؤامرة يهود بني النضير، ومحاولة رؤساء بني عامر الثلاث وهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى بن جعفر، ومحاولة دعثور بن الحارث في اطراف المدينة، ومحاولة فضالة بن عمير الليثي عندما كان الرسول (ص) يطوف حول الكعبة.

أما محاولة اغتياله في العقبة فلها حديث آخر تلك التي شارك فيها كبار الصحابة حسب ما رواه حذيفة قائلا: "هم والله أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، هؤلاء من قريش وأما الخمسة فأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة الثقفي وأوس بن الحدثان البصري وأبو هريرة وأبو طلحة الأنصاري"- رواه الامام أحمد في المسند (5/453)، والطبراني في المعجم الكبير، وفي مجمع الزوائد (1/110-111)، والبزار في مسنده (7/227رقم2800)، والضياء في المختارة (8/220-222رقم260،261) ومصادر عديدة اخرى لا يتسع المقال لذكرها جميعاً .

تلك المحاولات كانت قبل أن يتم اغتيال النبي الكرم (ص) وله ثلاث وستون سنة بمؤامرة "زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم" زعيم خيبر بشاة مشوية مسمومة أدت بحياته المباركة لتلتحق روحه الطاهرة برفيقه الأعلى، كما روى ذلك الصحابي المخلص عبد الله بن مسعود : "لئن أحلف تسعا أن رسول الله قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك إن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا" - سيرة ابن كثير ج4 ص 449، كما نقلها البيهقي ايضاً، والمجدي في الأنساب، محمد بن محمد العلوي ص6 وفي تهذيب الأحكام 6/1)، وقال الشيخ المفيد: وقبض (ص) بالمدينة مسموما يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (أنساب الأشراف 1 / 576)، وذكر العلامة الحلي شهادة رسول الله (ص) بالسم (السيرة النبوية، ابن كثير الدمشقي 4 / 449، وأيد الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين مقتل الرسول صلى الله عليه وآله بالسم، ومستدرك الحاكم 3 / 60، ح 4395 / 99 باب المغازي والسرايا)، والبحار، المجلسي 22 / 514؛و يذكر ابن سعد: فلما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله المرض فحمَّ وصدع (الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 249، وفي عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 281)، وكانت أم البشر بن البراء قد قالت للرسول (ص): ما وجدت مثل هذه الحمى التي عليك على أحد (الطبقات الكبرى ج 2 ص 236) وهذا النص يثبت بدلالة قاطعة أن الحمى التي اعترت المصطفى (ص) لم تكن حمى طبيعية وذلك لأنها لم تر مثل هذه الحمى من قبل، وهذه الحمى ما هي إلا من السم الذي جرعوه فقد تغير لونه وحالته؛ ولكن السؤال يبقى قائما: من الذي دس السم لنبي الرحمة (ص) في آخر أيام حياته؟ هل كان عبر الشاة المشوية التي قدمتها له اليهودية ؟ أم أن هناك أيادي اخرى من وراء محاولة الاغتيال الأخيرة التي تعرض لها الرسول (ص) ؟!.

خط الإغتيال والغدر والمكر والخيانة والإنحراف الذي وضع أسسه أبناء الطلقاء وذوات الرايات دعاة الخط الفكري الأموي قائم حتى يومنا هذا كما قوله تعالى "وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا" الإسراء: 60؛ وقد تعلم العباسيون السياسة ذاتها فنفذوها ضد الأئمة الأطهار من آل الرسول عليهم السلام حتى بلغ المطاف بالامام علي بن موسى الرضا (ع) ليستشهد مسموماً بسم دسه له "المأمون" العباسي في عصير الرمان..

لم يقبل الامام الرضا (ع) خديعة المأمون العباسي بولاية العهد إلا على مضض وجبر في تلك الحقبة القمعية الدموية القاسية التي تلت مرحلة حكم المهدي والهادي وهارون العباسي ولما آل له وضع آل البيت (ع) وشيعتهم ومحبيهم، ومطاردة العلويين، وهدم دورهم، ومصادرة أموالهم، وإدخالهم السجون وإستباحة دمائهم وشيعتهم دون إستثناء كما هو قائم حتى يومنا هذا ضد شيعتهم في البلاد الاسلامية؛ بالاضافة الى التهديد الذي هدده به المأمون إن لم يقبل الامام الرضا (ع) بولاية العهد بعد رفض الامام (ع) لعرضه الخبيث، ليطلق المأمون تهديده: "إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وشرط فيمن خالف عنهم أن يضرب عنقه، ولابد من قبولك ما أريده منك فإني لا أجد محيصاً عنه" .

كما كان للامام علي الرضا (ع) أهداف عديدة اخرى من وراء قبوله منصب ولاية العهد، منها: 1- استثمار الظروف لإقامة الدِّين وإحياء السنّة، 2- تصحيح الأفكار السياسيّة الخاطئة، 3- إفشال مخطّطات المأمون، 4- تعبئة الطاقات لمواصلة مسيرة الاسلام الناصع، المزعزع لسلطة الطغاة والجبابرة والمتفرعنين غلى طول التاريخ فعزموا على محاربته بشتى الوسائل دون التهاون من إراقة الدماء البريئة، وما يجري في العراق وسوريا واليمن والبحرين وغيرها من بلاد المسلمين إلا نموذجاً لخوف وفزع أتباع الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن الكريم من مدرسة أهل بيت النبوة والرسالة السماوية السمحاء .



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: