kayhan.ir

رمز الخبر: 76421
تأريخ النشر : 2018May25 - 19:45

هل يغتنم لبنان الفرصة القائمة في المرحلة الجديدة؟:


العميد د. أمين محمد حطيط

تبدأ اليوم مرحلة جديدة في لبنان قد يقول البعض إنها ستكون امتداداً لماضٍ لبناني لن يتغيّر بما فيه من فساد متعدّد الوجوه وارتهان متعدّد الجهات وانقسام متعدّد العناوين، وأن لا شيء في لبنان سيتغيّر وأن ما أطلق من وعود في زمن ما قبل الانتخابات ذهب مع إقفال صناديق الاقتراع وستكون العودة إلى زمن سياسة المحاصصة الطائفية، لا بل التناحر المذهبي القاتل، وبالتالي لا موجب ليشغل أحد نفسه أو يضيّع وقته وجهده في التفكير أو البحث عن معالم مرحلة جديدة وضوابطها .

بيد أنّ هذا الكلام رغم ما فيه من وجاهة وموضوعية يبقى عرضة للأخذ والردّ والنقاش، خاصة إن هناك أكثر من نقطة في لبنان قد تغيّرت عن السابق ما يملي تغييراً في الواقع السياسي اللبناني أو هكذا يفترض.

فرئاسة الجمهورية التي يضطلع بمهامها العماد ميشال عون، وهو المشهود له بحرصه على الوطن وبناء دولة قادرة ومستقرة، لن تسمح بتضييع الفرصة دون بلوغ هذا الهدف أو دون بذل كل ما هو ممكن من جهود في سبيل هذا الهدف. خاصة أن لدى الرئيس الإرادة والوسائل لبلوغ ذلك مع وجود تكتل نيابي يعادل ربع المجلس النيابي بتصرّفه، ووجود حلفاء ومؤيدين يصلون الى ما يلامس ثلثي المجلس أو أقل بقليل في مساندته. وهنا نستطيع أن نؤكد أن المجلس النيابي الجديد ورغم الكثير من الشوائب التي رافقت الانتخابات أو الثغرات التي تضمّنها قانون الانتخاب، فإن المجلس النيابي هذا هو مجلس كتل وخيارات سياسية معلنة وإن الأكثرية المطلقة فيه تملكها قوى متفاهمة على محاربة الفساد وبناء دولة القانون، خاصة بعد أن التزم بذلك كل من السيد حسن نصرالله المتميّز بالوعد الصادق وأكد عليه رئيس تكتل لبنان القوي الذي طرح مقاومة الفساد.

أما عن الحكومة التي ستشكل لتكون، كما يصفها رئيس الجمهورية بأنها حكومة العهد الأولى، فإن المشاركة فيها ينبغي أن تكون على أسس سياسية وخيارات استراتيجية اذ ليس من المقبول أن تشكل حكومة المتناكفين أو حكومة التعطيل والتعطيل المضاد، وعلى جميع مَن سيشارك فيها أن يقدم مصلحة لبنان على إملاءات الخارج. وفي هذا يجب التوقف عند ثوابت ينبغي أن تكون شروطاً للدخول في هذه الحكومة أو على الأقل يجب أن يتم التفاهم عليها قبل صدور مراسيم تشكيل الحكومة. أهمها:

رفض أي إملاء أو ضغط خارجي في تشكيل الحكومة. وبوضوح أكثر يجب أن يعلم الجميع وفي طليعتهم السعودية وأميركا أن مَن يديرونه في لبنان لا يملك في المجلس النيابي ثلث المجلس. وبالتالي لا يستطيعون أن يملوا شروطاً حول مَن يشارك في الحكومة أو مَن يُستبعد منها. فالحكومة المقبلة يجب ان تعكس نجاح خيار تفاهم مار مخايل وحلفائه. وهم يملكون كتلاً نيابية متعدّدة وطنياً ومناطقياً وطائفياً ومذهبياً وبإمكانهم تشكيل حكومة ميثاقية دون الحاجة لأحد. وبالتالي فإنّ هذا الفريق هو من يضع الشروط على البعض لقبولهم في الحكومة وليس هو مَن توضع الشروط عليه.

التزام الضوابط الوطنية في ممارسة ما أسمي سياسة النأي بالنفس. فهذه السياسة يجب أن لا تعني عداء لسورية وتبعية للسعودية، فإذا كان على لبنان الإحجام عن معادة أحد من الدول العربية، فإن الأولى بالتطبيق هي سورية، ولذلك يجب التوقف عن ممارسة الكيدية والعدوانية ضد سورية التزام يقتضي أن يكون من الحكومة اللبنانية مجتمعة ومن كلّ وزير منفرداً. ومن لا يستطيع أن يمارس ضبط نفسه، فعليه من البدء أن يحجم عن الدخول في حكومة العهد الأولى التي تحتاج لأقوى العلاقات مع سورية في سبيل بناء الدولة القوية.

عودة النازحين السوريين يجب أن تكون في طليعة اهتمامات الحكومة والتزاماتها. نعم يجب أن تلتزم الحكومة بدءاً برئيسها بهذه المهمة وبما تفرضه من تنسيق وتعاون مع الحكومة السورية وينبغي الإحجام عن تكليف أحد بتشكيل الحكومة إن كان ضد الالتزام بإعادة النازحين. وهنا نرى أن تكليف رئيس الحكومة ينبغي أن يكون مشروطاً، وأن يلتزم رئيس الحكومة بما يقرّره مجلس الوزراء من سياسات لا أن يكون مستقلاً في مواقفه عن مجلس الوزراء. ما يعني أنه آن الأوان لوضع حدّ لتخطي مجلس الوزراء من قبل رئيس الحكومة أياً كان هذا الرئيس. فإذا كان معظم رؤساء الحكومات بعد 2005 تصرف بذهنية الحاكم بأمره لأنهم يملكون في المجلس النيابي الأكثرية المطلقة ولا يخشون محاسبة أو سحب الثقة منهم، فإن الوضع اليوم تغيّر. وهذا ما يجب أخذه بالحسبان. فالدستور الجديد يضع السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء ولا يوليها لرئيس الحكومة الذي هو ناطق باسم الحكومة وليس مقرراً عنها.

وأخيراً نقول إن وجود شخصية وطنية بحجم العماد ميشال عون، وإلى جانبه قوة سياسية ونيابية بحجم يتخطى الأكثرية الشعبية المطلقة والأكثرية البرلمانية المطلقة، هي فرصة تتاح للبنان لأول مرة منذ زمن طويل لبناء الدولة بنفس استقلالي وتطهيرها من الفساد والفاسدين وإحياء الدستور والعمل بالقوانين والنأي بلبنان عن إملاءات الخارج وتدخلاته. وعليه يجب أن توجّه رسائل عملية للداخل والخارج مفادها أنه لا انصياع لبنانياً للرغبات الأميركية والسعودية ومَن معهم وغيرهم من الدول أو الهيئات، في أي موضوع يمسّ المصلحة اللبنانية سواء تعلّق الأمر بتشكيل الحكومة أو بالاستراتيجية الدفاعية أو سواهما. فلبنان هو مَن يحدّد كيف يبني علاقاته مع الخارج ولا يمكن ان يقبل إملاء الخارج عليه في وجهة وطبيعة علاقاته الدولية… فهل هذا حلم؟ أم هي فرصة يجب أن تغتنم؟