Sunday 18 April 2021
رمز الخبر: ۱۲۹۰۱۵
تأريخ النشر: 07 April 2021 - 20:04


سركيس ابوزيد

خلال الأعوام الماضية، انغمست تركيا في معظم صراعات المنطقة. وبدلًا من سياسة "صفر مشاكل"، صار عنوان سياسة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان "صفر صداقات". وكان من الطبيعي أن تؤدي سياسة كهذه إلى صراعات داخل تركيا نفسها، بين حزب إردوغان (العدالة والتنمية) ومعارضيه. كما أدت إلى خصومات وعداوات مع الدول المتضررة من التدخل التركي، كانت تركيا في غنى عنها. ولم يقتصر الأمر على خلافات إردوغان مع جيرانه، بل اتسع ليشمل علاقات تركيا مع دول أوروبية، أبرزها اليونان وفرنسا وألمانيا.

هذه السياسة لم تساعد إردوغان على حماية المصالح التركية، بل على العكس زادت التوترات، كما زادت من عزلته. هذا الأمر دفعه الى إعلان البحث عن أصدقاء، وضرورة إنهاء الخصومات والانفتاح على كل الدول التي يريد تحسين العلاقات معها: الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والعالم العربي.

فرض فوز بايدن على إردوغان تغيير سياساته، فحاول إطلاق سلسلة من المبادرات لترطيب الاجواء معه، في ظل إدراكه أن فترة السماح السابقة قد انقضت. لم يُظهر بايدن مرونة وقام بطرح القضايا الخلافية بينهما، خصوصًا ملفات الفساد وحقوق الإنسان. وفي الملفات الخارجية، حاول إردوغان تخفيف عزلته الدبلوماسية، وغيّر من لهجته تجاه اليونان، ودخل في مفاوضات جديدة معها، وأعاد تحريك العلاقات مع مصر، وسهّل الحل السياسي في ليبيا، ودخل في مفاوضات حول سوريا مع واشنطن. لكن محاولاته هذه لم تلق حتى الساعة آذانا صاغية من بايدن، خصوصا أن استحواذ تركيا على نظام الدفاع الجوي الروسي "إس-400 "يمثل أكبر مشكلة في العلاقات الثنائية. ومن الصعب رفع عقوبات "كاتسا"، وإعادة تركيا إلى مشروع إنتاج الطائرة "إف-35 " لاستيعاب إردوغان، ما لم يتراجع عن صفقة الصواريخ الروسية. ولدى إردوغان مخاوف كبيرة من أن إدارة بايدن قد تستهدف الحكومة التركية من خلال عقوبات قانون "ماغنتسكي" بسبب انتهاكاته الفاضحة لحقوق الإنسان.

عدم اتصال بايدن بإردوغان يُظهر أن تركيا ليست أولوية على أجندته. وهناك شكوك في عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، ما لم يقم إردوغان بتغيير الكثير من سياساته التوسعية في المنطقة، لأن واشنطن لن تقدم له شيئا. ولكن تركيا موجودة على الأجندة الأوروبية، ويعي المسؤولون الأوروبيون حاجة إردوغان لـ"تطبيع" علاقاته الاوروبية، وأن الأتراك يريدون العودة للتعاون مع الاتحاد الأوروبي لأنهم يعانون من صعوبات اقتصادية كبيرة ومن مشاكل مع الحلف الأطلسي. تركيا أمام خيارين: إما التعاون مع أوروبا، وإما انتظار فرض عقوبات عليها في حال استمرت في سياساتها الاستفزازية السابقة.

يعمد الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في خطته لمساعدة تركيا ولبنان والأردن ماليًا من أجل تحمل تبعات الوجود المكلف للاجئين والنازحين السوريين. ودأبت أنقرة على الشكوى من أن ما تتلقاه من الاتحاد الأوروبي لا يشكل سوى "قطرة في بحر" مما تصرفه على اللاجئين. وما يريده الاتحاد الأوروبي أن تمتنع تركيا نهائيًا عن استخدام ورقة اللاجئين والنازحين للابتزاز السياسي والمالي.

في عملية لي الذراع بينه وبين تركيا، يمتلك الاتحاد الأوروبي أوراق ضغط قوية، إذ إنه الشريك الأول الاقتصادي والتجاري لتركيا وله معها اتفاقيات ثنائية وشراكات من شأن التخلي عنها التسبب بأذى كبير للاقتصاد التركي. يُضاف إلى ذلك أن تغيّر الادارة الاميركية يمثل ورقة ضغط إضافية على أنقرة.

وبالانتقال الى المنطقة العربية، هناك محاولة لإنهاء الخصومات، فتشهد العلاقات المصرية والخليجية مع تركيا نوعًا من التغيّر التدريجي، من القطيعة إلى محاولات التقارب، ولو عبر رسائل المغازلة وبعض الخطوات من قبل تركيا، منها التوقف عن خطاب الكراهية والتحريض والعنف.

وفي هذا الإطار، أعلنت السلطات التركية فك الارتباط مع العالم الإخواني ولو مرحليا على الأقل، مصحوبًا بتجميد، وليس إنهاء، نشاط جماعة "الاخوان". فقد ألزمت السلطات التركية القنوات التلفزيونية التابعة لـ"الاخوان المسلمين"، التي تبث من إسطنبول، بالتوقف عن استهداف مصر والخليج ووقف برامجها السياسية، وأصدرت قرارات بوقف إنشاء أي أحزاب سياسية لـ"الاخوان" داخل تركيا، وبمراجعة تصاريح إقامتهم وملفاتهم، وفرضت إقامة جبرية على قيادات إخوانية وإعلاميين من العاملين بتلك القنوات، وطالبت 30 من القيادات بالتزام الصمت وعدم الادلاء بتصريحات سياسية.

على الصعيد الداخلي، تشهد الساحة السياسية التركية منذ ما يقرب السنة حراكًا مكثفًا لترتيب أوراق التحالفات السياسية، استعدادًا لانتخابات مبكرة مفاجئة قد تجري خلال العام الحالي أو العام المقبل. ويبذل إردوغان جهوده لترتيب حزب العدالة والتنمية من الداخل في محاولة لاستعادة قوته قبل أي استحقاق انتخابي قادم مبكرًا كان أو في موعده المحدد.

لقد أطلق إردوغان معركة الرئاسة. فهو يريد البقاء في الرئاسة مدى الحياة، ولن يعدم من أجل تحقيقها أي محاولة أو فرصة تُبقي حزبه "العدالة والتنمية"، ومعه "تحالف الجمهور" في الطليعة، وتؤمن له فوزا مريحا في الانتخابات الرئاسية لعام 2023. لكن استطلاعات الرأي تظهر تراجعا في شعبيتهما، وأعطت تفوقا لخصوم إردوغان، ما دفعه الى العمل على خطة إنقاذ استعدادًا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية 2023، واتباع استراتيجية جديدة من أبرز بنودها تعديل الدستور بدعوى إدخال إصلاحات ثانوية تخفف من مركزية النظام الرئاسي، وإعداد دستور يشطب المواد المتبقّية من دستور 1982، أبرزها إلغاء بند العلمانية فيه تحديدًا.

التغييرات المحتملة ستطال أيضًا مجلس الوزراء أولًا ثم إدارة الحزب، إذ يقوم إردوغان بإعادة هيكلة حزب العدالة والتنمية بما يتماشى مع انتخابات عام 2023، التي ينظر إليها الرئيس التركي على أنها مصيرية لحزبه ولتركيا أيضًا. يواصل إردوغان السير في درب يعرف أنها وعرة. وفي كل خطوة يخطوها، يضع نُصب عينيه الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2023. وبعدما يئس من محاولات استقطاب مناصري النزعتين الكردية والعلمانية، فإنه يركز حملاته التي بدأها منذ أكثر من سنة على مؤيدي النزعتين الدينية والقومية.



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: