Saturday 23 January 2021
رمز الخبر: ۱۰۷۶۰۷
تأريخ النشر: 14 January 2020 - 20:48


د .جواد الهنداوي

الصراحة المطلقة في العمل الدبلوماسي تُوصفْ بوقاحة، لذا ، لا بُّدَ من قراءة اي تصريح دبلوماسي او سياسي مرتيّن: مرة لقراءة سطور التصريح، و مرّة أخرى لقراءة ما بين سطور التصريح؛ تشّذُ عن هذه القاعدة تصريحات الرئيس ترامب ؛فهي لصلافتها و وقاحتها ، تُفهمْ بقراءة واحدة و سريعة. مِنْ ما تقّدمْ، وددتُ التوطئة لتناول تصريحات السيد رئيس الوزراء ،عادل عبد المهدي ، تجاه أميركا و إدارة الرئيس ترامب ، و تأكيداته بأنَّ العراق لا يريد العداء لأميركا ، ويسعى الى السلام وحسن الجوار مع الجميع .

في قول السيد رئيس الوزراء " لا نريد العداء مع أميركا " ، دلالة على أنَّ إدارة الرئيس ترامب لم تُعدْ تتعامل مع العراق كصديق او كحليف ،على الأقل نظرياً او صورياً ،باعتبار بين البلديّن اتفاقية تعاون استراتيجية و في مجالات متعددة ، و خاصة في المجال الأمني و العسكري .

كُنّا نتوقع بأنَّ مرور عقد من الزمن على اتفاقية تعاون استراتيجية بين العراق وأميركا سيكون العراق اكثر تقدماً و تطوراً ،او ، على الأقل ، اكثر ترسيخاً و تعزيزاً لسيادته و حفظاً لقواته المسلحّة و معسكراته !و لكن ، بعد سنوات من التعاون الاستراتيجي ، أصبحت اجواء العراق عُرضة لهجمات استهدفت قواته المسلحة و منافذ الحدود ومخازن العتاد و عمليات اغتيال ،تارةً اسرائيلة الهوية او مجهولة الهوية ، وتارةً أخرى أميركية الهوية مع سبق الإعلان و الإصرار ! أصبحَ العراق ساحة أميركية اسرائيلية للعمل على تقليص او حسرْ نفوذ ايران في المنطقة ، وعلى حساب مصلحة و أمن وسيادة العراق . هدف الاتفاق الاستراتيجي بين العراق و أميركا ، على ما يبدو، هو استخدام العراق لتعزيز الوجود العسكري و السياسي الأميركي ، و الناتوي ، وتوسيع الاختراق الاسرائيلي لساحة العراق وضمان هيمنة اسرائيل على المنطقة.

أميركا، التي تذرعّت بنشر الديمقراطية وحقوق الانسان في العراق وسوريا والمنطقة (باستثناء فلسطين ) ، لم تتردد في الطعن بقرار مجلس النواب العراقي ،القاضي بانسحاب القوات الأميركية وانهاء الاتفاقية الاستراتيجية ،بذريعة ان التصويت لم يتم من قبل مكونات الشعب ! وكأنَّ التصويت هو تصويت مكونات و ليس تصويت نواب و بالأغلبية !

سترسّخ أميركا تعاملها مع العراق بأعتباره عراق مكونًات و ليس عراق شعب ، بعد أنْ أفقدته سمة عراق دولة وسيادة ! وفي ذلك تمهيد لاقلمة العراق او تقسيمه .

انسحاب أميركا من العراق و شعورها بفقدانه سيقودها الى سعي حثيث لتقسيمه .

مصلحة اسرائيل و مصلحة أميركا هو عراق مُجزأ ونصفهِ تحت سيطرتهم افضل من عراق موّحد و خارج عن هيمنتهم و توجيههم .

لا أحدَ يلوم العراقيين على مطالبتهم بسحب القوات الأميركية و غيرها ، أمضينا اكثر من خمسة عشر سنة و العراق تحت رعايتهم وكفالتهم ، وتمخضّ عن هذه الرعاية ارهاب و اقتتال داخلي و فساد وانتهاك لسيادة و أمن العراق ، وتوظيف العراق لنصب العداء لإيران و محاربة سوريا !

ما تريده أميركا من العراق أنْ يعود لمحاربة ايران ، وما تريده اسرائيل من العراق أنْ يُقسّمْ ويصبح دويلات حليفة لإسرائيل و مجرّده من سلاح يهدد اسرائيل.

سيعيش العراق داخلياً و اقليمياً و دولياً، و خاصة بعد جريمة الاغتيال، بين هدفيّن متناقضيّن: بين مسعى لإخراج القوات الأجنبية و آخر لترسيخها و بقائها، و انتصار العراق هو في بقائه موحداً و مستقلاً معززاً بأمنه وسيادته .



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: