kayhan.ir

رمز الخبر: 85480
تأريخ النشر : 2018November14 - 21:08
في ذكرى إستشهاده المؤلم..

الامام العسكري والمسؤولية الكبيرة في فترة إمامته القصيرة



* جميل ظاهري

ست سنوات هي فترة إمامة الامام أبا محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام (254-260هـ . ق)، ليقوم خلالها بالمسؤولية السماوية الكبيرة في التصدي للطغاة والفراعنة وأئمة الزيف والتزوير والانحراف الذين يعبثون بعقائد الناس، الى جانب الشق الأهم من تلك المسؤولية ألا العمل على إعداد الأمة الاسلامية لعصر الغيبة والظهور ذلك العصر الذي بشرت به جميع الأديان السماوية وتحدث عنه جميع أنبياء ورسل رب العالمين خاصة أولي العزم منهم عليهم السلام أجمعين.

أكد الدين الاسلامي الحنيف على وجوب أن تكون قيادة الأمة وسيرتها السياسية والعقائدية من مهام الأئمة المعصومين عليهم السلام أولئك الذين بشر يهم خاتم الرسل محمد بن عبد الله الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم بقوله " يكون من بعدي أثنا عشر أميراً، كلهم من قريش" - رواه صحيح البخاري: في الجزء الرابع في كتاب الأحكام في باب جعله قبل باب إخراج الخصوم، وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة (صفحة 175 طبعة مصر سنة 1355 هجري)، وصحيح الترمذي: (صفحة 45 الجزء الثاني طبعة دهلى سنة 1342 هجري) في باب ما جاء في الخلفاء، وصحيح مسلم: في كتاب الإمارة في باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش (صفحة 191 الجزء 2 ق 1 طبعة مصر سنة 1348 هجري)، مسند أحمد: (طبعة مصر المطبعة الميمنية سنة 1313 هجري جزء 5 ص 106)، والمستدرك على الصحيحين: (طبعة حيدر آباد الدكن سنة 1334 هجري) في كتاب معرفة الصحابة (صفحة 618 الجزء 3).

من هذا المنطلق نجد أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) وحتى الامام الحسن العسكري (عليه السلام) حملوا لواء المعارَضة للسلطات الطاغية والفرعونية الحاكمة، ونادوا بالعمل في كتاب الله عزوجل وسُنَّة النبي (صلى الله عليه وآله) .

كما انهم عليهم السلام اتَّخذوا أساليب مختَلفة لمواجهة الانحرافات التي اجتاحت الأمة الاسلامية وسعوا كثيرا من أجل احياء القيم الحقيقية للاسلام المحمدي الاصيل وقدموا الغالي والنفيس وتحملوا أشق المعاناة كالملاحقة، والسجون، والقتل، والتنكيل والأسر وغيرها من أجل ذلك . فكان الامام الحسن بن علي العسكري عليهما السلام هو الامام الحادي عشر من هذه السلسلة الذهبية الربانية الذي أنتخبوا لهداية الأمة، حيث تحمل ما تحمل رغم صغر سنه (232 - 260 هـ . ق) أي 28 عاماً، حيث عايش خلالها ثلاثة من الخلفاء العباسيين هم: المعتز العباسي 252ـ 255هـ والمهتد 255- 256 ق والمعتمد العباسي 256- 279هـ - الطبري، محمد بن جرير، دلائل الامامة، ج1، ص223، وعانى ما عانى منهم من الويلات والسجن والمضايقات حيث تردد إلى سجونهم عدّة مرات وخضع للرقابة المشدّدة وأخيراً محاولة البطش به بعيداً عن أعين الناس والتي باءت بالفشل.

رغم قلة سنوات عمره وإمامته لكن الامام أبا محمد الحسن (ع) أستغل ضعف السلطة العباسية وسيطرة الأتراك على مقاليد الحكم وأستطاع من إجهاض كل هذه المحاولات التزييفية والتحريفية للسلطة وذوي النفوس الضعيفة والمنافقين ليسير بالمسلمين نحو الطريق الصحيح، مما أكسبه احتراماً خاصاً حتى لدى أتباع السلطة بحيث كانوا يتحولون من خلال قربهم له إلى أناس ثقات وموالين وحرصاء على سلامته. كما وأنه (ع) تمكن من تفويت الفرصة على الحكم العباسي ومخططهم المشؤوم القاضي بدمج أئمة أهل البيت وصهرهم في بوتقة الجهاز الديكتاتوري المنحرف الظالم الحاكم وإخضاعهم للمراقبة الدائمة والإقامة الجبرية لعزلهم عن قواعدهم ومواليهم.

المضايقات التي كان يعانيها الامام العسكري (ع) خلال فترة أمامته ومن قبلها عندما كان يعيش مع والده الامام الهادي (عليه السلام) تحت الرقابة العباسية المشددة في سامراء، دفعته (ع) أدت لإختياره نواباً للإتصال بشيعته، وكان عثمان بن سعيد أحد نوابه الذي تولى النيابة في حياته وبعد وفاته، وبقي فيها حتى عصر الغيبة الصغرى، فأصبح كأول وكيل ونائب خاص للامام المهدي (ع). كما استغل هذه السياسة لإيهام السلطة بعدم الخروج على سياستها. ليدفع عن أصحابه الضغط والملاحقات التي كانوا يتعرضون لها من قبل الدولة العباسية، دون أن يعطي السلطة غطاءاً يكرّس شرعيتها ويبرّر سياستها المزيفة الماكرة، كما ظهر من خلال موقفه (ع) من ثورة الزنج التي إندلعت بسبب ظلم السلطة العباسية وإنغماسها في حياة الترف. فكان موقف الامام العسكري (ع) الرفض لكنه آثر السكوت وعدم إدانة تصرفات الثورة لكي لا تعتبر الإدانة تأييداً ضمنياً للسلطة الفرعونية الجائرة.

أستغل الامام أبا محمد الحسن (ع) إنشغال السلطة بإخماد ثورة ليمارس دوره الرسالي التوجيهي والإرشادي مشجعاً أصحابه على إصدار الكتب والرسائل بالموضوعات الدينية الحيوية، وكان يطلّع عليها وينقحها. كما تصدى للرد على كتب المشككين وإبطالها. ويُروى أنه اتصل بالفيلسوف "الكندي" الذي شرع بكتابة كتاب حول متناقضات القرآن. فأقنعه بخطئه. مما جعل الكندي يحرق الكتاب ويتوب. كما وترك الامام العسكري (ع) مجموعة من الأحاديث في مجال التفسير والأخلاق والقضايا العقائدية إضافة الى الأدعية.

فانفرد عليه السلام دون غيره من الأئمة الهداة من أهل البيت عليهم السلام أجمعين في حمله لعبء قيادة المسلمين واعداد الأمة لعصر الغيبة وامامة الامام المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف في وقت قصير جداً وظروف بالغة الخطورة والقمع الدموي الذي ينتهجه الحكام الطغاة آنذاك.

إختيار الامام العسكري (ع) نواباً للإتصال بشيعته شكل صدمة نفسية وإيمانية للمسلمين المؤمنين الذين كانوا قد إعتادوا على الارتباط المباشر بالامام ولو في سجن بني العباس أو عبر نوابه حيث كانوا يشعرون بحضوره وتواجده بين ظهرانيهم ويحسّون بتفاعله معهم، والآن يُراد لهم أن يبقى هذا الايمان بالامام المنتظر (ع) حيّاً وفاعلاً وقويّاً بينما لا يجدون الإمام في متناول أيديهم وقريباً منهم بحيث يستطيعون الارتباط به متى شاؤوا.

عانى الامام الحسن بن علي العسكري (ع) الذي نعيش اليوم الثامن من ربيع الاول ذكرى استشهاده الاليمة والمفجعة، ذات المعاناة التي عاشها آباؤه الميامين بغية إرشاد الامة ومكافحة الظلم والانحراف والعمل على ابقاء الرسالة المحمدية قائمة ما بقي الدهر. ليستشهد في الثامن من ربيع الأول سنة 260 للهجرة وبعد خمس سنوات وثمانية أشهر وخمسة أيام من امامته المباركة، لتفقد الأمة القائد والموجه والمصلح الذي كان يحنو على ضعفائهم وأيتامهم وفقرائهم وارتفعت الصيحة من دار الامام (ع) وعلت أصوات العلويات والعلويين بالنحيب والبكاء.