عقوبات أميركا وقرار لبنان؟:


د. عدنان منصور

إنّ العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على نواب وشخصيات ينتمون إلى حزب الله والمقاومة، ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة. لأنّ الولايات المتحدة تهدف من هذه الإجراءات، إلى ممارسة المزيد من الضغوط على لبنان وحكومته واقتصاده وجهازه المصرفي والمالي، لحمله على الإذعان والرضوخ للسياسات الأميركية حيال المنطقة، وحياله بالذات، وتحميل الحكومة اللبنانية في ما بعد المسؤولية عن التبعات الناجمة عن هذه العقوبات، وعن أيّ تقصيرٍ من جانبها في حال عدم التجاوب مع المطالب الأميركية، لجهة العمل على تجريد المقاومة من سلاحها، وترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان و إسرائيل ، وفق ما يريده العدو ويصرّ عليه وترغبه واشنطن. وكذلك صفقة القرن ورفض لبنان لها، وعدم انخراطه في مشاريع التطبيع مع العدو، ورفضه المطلق لتوطين النازحين على أرضه، واستحالة تجاوبه مع السياسات الأميركية الرامية إلى اختزال فريقٍ سياسي، هو ركن أساسي في الحياة السياسية اللبنانية، يتمتع بقاعدة شعبية واسعة عزّزت حضوره، ووجوده وفعاليته على الساحة اللبنانية كلها، لا سيما داخل المجلس النيابي اللبناني وداخل الحكومة، وأيضاً دوره المتميّز المقاوم في الدفاع عن وجود لبنان وسيادته وأمنه واستقراره، وتحرير أرضه والتزامه بقضية العرب المركزية ودعمه لها.

ما كانت العقوبات الأميركية لتُفرض على لبنان لولا معرفة واشنطن أنّ المقاومة في لبنان، تشكل عقبة رئيسة في وجه سياساتها الرامية إلى ترويض لبنان، وضمّه إلى معسكر التطبيع مع إسرائيل ، وحمله على الإذعان لسلام الأمر الواقع الذي ترسمه واشنطن وحلفاؤها في المنطقة.

إنّ العقوبات الأميركية وإنْ غُلِّفت بحجج واهية تفتقد للصدقية، هي عقوبات سياسية صرفة تعوّدت عليها دول عديدة في العالم، عانت ما عانته من استبداد وتعسّف القرارات الأميركية حيالها. وما العقوبات التي فُرضت بحق نوابٍ من نواب الأمة، إلا لتشكل انتهاكاً سافراً لسيادة لبنان واعتداءً صارخاً على الحياة الديمقراطية فيه، وعلى كرامة اللبنانيين بكلّ أطيافهم. عقوباتٍ تجسّد العنجهية والصلف والتسلط والاستبداد للسياسات الأميركية المستمرة التي لم تتوقف أبداً.

إنّ الولايات المتحدة التي دعمت على مدار عقود أعتى الديكتاتوريات في العالم، وأطاحت برؤساء وحكام، ورعت أنظمة فاسدة عنصرية، وغطّت حكوماتٍ رجعية، وأشعلت اضطرابات وحروباً في القارات الخمس، وفككت دولاً، وساندت حركاتٍ انفصالية، وأجّجت حروباً أهلية، وكانت بأجهزة استخباراتها وراء العديد من الانقلابات على الأنظمة الوطنية المعارضة لسياساتها والرافضة للدخول في فلكها، تريد من الحكومة اللبنانية اليوم تحت الضغط والتهديد والوعيد، والتلويح بالعقوبات تلو العقوبات، أن تخنق المقاومة وتطوّقها سياسياً ومالياً وإعلامياً وعسكرياً وشعبياً، وتنزع عنها كلّ أسباب القوة التي تستند إليها.

بعد فشل كلّ السياسات المعادية التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية حيال المقاومة في لبنان، وإنفاقها مئات الملايين من الدولارات على تشويه سمعتها، وشيطنتها، لجأت واشنطن إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات، تضع الحزب بجناحيه العسكري والسياسي على لائحة الإرهاب، وتلاحق العديد من عناصره. إلا أنّ هذه الإجراءات لم تفلح ولم تحقق لواشنطن غايتها، ما دفعها إلى تصعيد العقوبات المالية التي من خلالها تريد وضع الحكومة اللبنانية وجهاً لوجه في مواجهة المقاومة وهي تمارس عليها وعلى مصارفها المزيد من الضغوط والقيود التي تُرهق الاقتصاد اللبناني، وتضع الحكومة بعد ذلك في مأزقٍ حرج تجاه اللبنانيين، تدفعها إلى تحميل المقاومة في ما بعد المسؤولية عن الذي يحصل، وكذلك تبعات وتداعيات العقوبات المالية الأميركية المفروضة على لبنان. عقوباتٍ بنظر واشنطن قد تثير البلبلة في الداخل اللبناني وتهيّئ لمناخ متشنّج يشجع على إيجاد الشرخ المطلوب بين اللبنانيين.

إنّ القيادات السياسية والحزبية والفعاليات والهيئات الشعبية أمام مسؤولية تاريخية، لا يمكن التفريط بها أو تجاهلها. فالمسألة لا ترتبط بحزب الله ومقاومته فقط، وإنما ترتبط أيضاً بمصير اللبنانيين، كلّ اللبنانيين دون استثناء. فالانقضاض على فريقٍ ما لا سيما فريق المقاومة، هو انقضاض على الوطن كله، لأنّ مواقف اللبنانيين ونضال المقاومين وقضاياهم غير منفصلة عن القضايا المرتبطة بلبنان والمنطقة. إذ لا يستطيع لبنان أن يقف موقف اللامبالي حيالها، أو الداعم للمشاريع الخارجية المشبوهة، خاصة عندما تكون المسائل الجوهرية ترتبط بسيادة لبنان واستقراره وأمنه وثرواته ووحدة شعبه. إنها مسؤولية الجميع دون استثناء. فما تريده واشنطن هو أن تكون المقاومة، وحزب الله، كبش فداء للحلف الأميركي الإسرائيلي وأتباعه في المنطقة، بغية تمرير سياسات ترامب فيها، وبالذات صفقة القرن، وإنْ جاءت هذه السياسات على حساب شعوب المنطقة كلها، لا سيما على حساب سيادة وأرض وشعب لبنان.

نقول هذا ليس دفاعاً عن حزب الله والمقاومة، فالمقاومة التي ناضلت وحرّرت أرض وطنها ومرّغت أنف العدو الإسرائيلي، تستطيع أن تدافع عن نفسها، وإنما نقول ذلك دفاعاً عن مستقبل لبنان ومصالحه وصوْناً لسيادته وحرية قراره، وحفاظاً على ثرواته في البرّ والبحر، وتعزيزاً لوحدة شعبه، ووفاءً لشهداء الوطن المقاومين الذين دافعوا عنه، وحرّروا جنوبه، حيث أن دماؤهم الزكية لم تجف على أرضه بعد.

إنها وقفة كلّ اللبنانيين في وجه الإرهاب المالي والاقتصادي الذي تقوده وتمارسه الإدارة الأميركية بحق لبنان حكومةً وشعباً. فالرضوخ للابتزاز والعقوبات، والتباين في وجهات النظر، واللعب على حبال السياسة الداخلية، وتحميل المسؤولية لطرفٍ ما، وإيجاد التبريرات المشبوهة للعقوبات، سيؤدّي إلى ضرب النسيج الوطني في الصميم، وإلى إيجاد انقسام داخلي خطير يراهن عليه المتربّصون بلبنان، نحن بغنى عنه. لأنّ الانقسام سيجلب الويلات للبلاد ويُدخلها في نفق مجهول.

إنّ الموقف اللبناني يجب أن يُحصّن ويكون واحداً موحداً لا غبار عليه، يعبِّر عن مصلحة وطن ومستقبل شعبه، وعن مسؤوليةٍ وطنيةٍ عالية قبل كلّ شيء، دون الدخول في متاهات الأخذ والردّ، وتبادل الاتهامات والسجالات العقيمة، وتحميل قرارات العقوبات لجهةٍ ما وتضييع البوصلة. فالجميع على مركب واحد. وهنا تكمن المسؤولية الكاملة حيث نعوّل على حكمة المسؤولين في التعاطي مع العقوبات الظالمة التي تواصل الإدارة الأميركية في اتخاذها من آنٍ إلى آخر، والتي من المتوقع لها أن تتوسّع أكثر لتصبح أكثر إيلاماً.

كلّ الأطياف السياسية اليوم على المحك… فأيُّ خيارٍ أمامها؟! أهو خيار الوطن في قرارٍ موحد شجاع يصون سيادته ووحدة شعبه؟! أم هو خيار تجّار السياسة المفرّطين بمصالح الوطن في بازار الابتزاز الأميركي؟!

هي الأيام بيننا التي ستكشف النقاب لاحقاً عن المواقف وحقائق الأمور.