Wednesday 17 July 2019
رمز الخبر: ۹۷۴۹۶
تأريخ النشر: 13 July 2019 - 20:33
في‎ ذكرى‎ مولده المبارك والميمون



* جميل ظاهري

المتتبع لتاريخ أهل البيـت النبوة والامامة عليهم السلام، وكيفية بروزهم‎‎‎ وظهـور مقـامهـم الـذي لـم يستطع أن‎‎‎ يتجاهله أحد من المسلمين, يـدرك بشكل واضح وجلي ان هناك لطف الهي وحكمة خفية‎‎‎ في تكوين هذه الـشخـصيـات العـظيمـة وتشخيصها دون غيرها رغم الـظروف الصـعبـة التي تحيط بهم .

حياتهم مدرسة‎‎‎ وعبرة وموعـظة تـفيـض بالعطاء وتشع بالخير والإستقامة وتـوحـي بالكمال والهداية الربانية وسلوكهم يجسـد مبـاديء الرسالة السماوية السمحاء‎‎ حياة وعملاً، حيث‎‎ الواحـد مـنهـم يهدي الناس‎‎ بسلوكـه‎‎‎ وعـملـه كمـا يهـدي بقـولـه وتوجيهه, والامام علي‎‎ بن موسي الـرضـا عليه السلام هـو سليل‎‎ النبوة ووارث بيـت العصمة والطهارة وعلـم مـن أعلام الهدى والصلاح عليهم السلام أجمعين، فكانت حياته منـاراً للمهتدين‎‎ ودليلاً للسائرين في طريق التقـوى والعبادة ومثلاً أعلى‎‎ فـي الأخـلاق والـسلـوك القويم .

ورد عن الامام‎‎ موسى الكاظم عـليـه السلام‎‎ انه‎‎ قال لبنيه: هذا أخوكم علـي بـن موسي عالم‎‎ آل محمد فأسألـوه عـن أديـانكـم وأحفظوا مايقول لكم‎‎ (بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٤٩ - الصفحة ١٠٠)، حيث نعيش هـذه الايـام في رحاب المولد المبارك والميمون لعالم‎‎ آل محمد عليه وعليهم اجمعين السلام, الذي عرف بغريب طوس حيث ما تعـنيـه الغربة‎‎ لدى الامام الرضا (ع) انها غـربة النفس عن الأطهار والأخيار؛ حيث كانت المدينة‎‎‎ المنورة على موعد مع أنوار ونفحات ربـانيـة في الحادي‎‎ عشـر مـن ذي الـقعـدة عـام ‎ 148 للهجرة‎‎ الشريفة .

عاش الامام‎‎ الرضا (ع) في‎‎‎ القرن الثاني الهجري‎‎ وعاصر من خلفـاء بنـي الـعبـاس الـمهـدي والهادي والرشيد والأميـن‎‎ والمـأمـون، حيث أتسعـت الحـركـة العلمية ونشط البحث والتأليـف والتـدويـن وتصنيف‎‎ العلوم والمعارف ونشـأت الـمـدارس والتيارات‎‎ الفلسفية‎‎‎ والفكرية وبدأت حركـة الترجمة والنقل من اللغات والشعوب والأمـم المختلفة وكانت‎‎ من أغنى فتـرات الـفكـر والثقافة‎‎ الاسلامية, حيث شهد العلماء والحكمـاء بـسعـة علمه (ع)‎‎‎ وحاطته بمحتوى كتـاب اللـه المـجيـد وأسراره‎‎‎ ومعارفه وشمول معـرفتـه لكـليـات الشريعة وجزئياتها. وأزدحمت‎‎ المدارس‎‎ وحلقات الـدرس بالأساتذة والطلاب يتناولون مختلف العـلـوم ويخوضون في‎‎ شتى المعارف .

كان الامام‎‎ علي بن موسى الرضا عليه السلام هو مفزع العلماء وملجأ أهل الفكر والمعرفة يناظر على التفسير ويحاور أهل الفلسفة والـكـلام ويرد على الزنادقـة‎‎‎ والغـلاة ويـوجـه أهـل الفقه‎‎ والتشريع ويثبـت قـواعـد الشـريعـة وأصول التوحيد وينشر أحكام الدين المحمدي الأصيل فكان محور التوجيه ومـركـز الإشعـاع ومنطلق الاصالة والنقاء.

قضية‎‎‎ الامامـة والـسيـاسـة فـي الاسلام تشكل أخـطر قضـايـا الـحيـاة‎‎ الانسـانيـة, فالاسلام‎‎‎ نظام حكم ومنهج سيـاسـة‎‎, وقيـادة أمة‎‎‎‎ وقانون حياة وطريقة عبادة وهو لا يفصـل بين‎‎ السياسة‎‎ والدين والعبادة أبداً. فكان‎‎ إهتمام‎‎ الاسـلام والمـسلـميـن كـبيـراً فـي شؤون الامـامـة‎‎ وولايـة أمـر المسلمين وقيادتهم السياسية‎‎ والعقائدية .

دراسة‎‎ الاوضاع السيـاسيـة والاجتماعية‎‎ لمرحلة الحكم العبـاسـي‎‎ التـي أحاطت بالامام‎‎ الرضا وأبيـه‎‎ الكـاظم وجـده الصادق عليهم‎‎ السلام تجسد أمامنا المـحنة والمشكلة‎‎ السياسية التي عاناها أهل البيت (ع) في‎‎ ظل الـحكـم الـعبـاسـي عـدا فتـرة الإنفراج النسبي‎‎ التي عاشها الامام أبا الحسن (ع) ايام المأمون والتي جاءت لضغوط الـرأي العام وتوتر الاوضاع الـسيـاسيـة‎‎ وكثـمـرة الإضطرابات‎‎‎ والصراعات والثورات .

أدرك المأمون منزلة الامام الرضـا (ع) ودوره في نشر العقيدة ومقارعة الطغاة وكشف مخططاتهم‎‎ وسياساتهم المعادية للاسلام ولأهل البيت (ع)، كما كان‎‎‎ في تصور المأمون ان المخـرج من الأزمة‎‎‎ السيـاسية التـي أحـاطت بـه هـو مخاطبه‎‎‎ الامام أبا الحسن (ع) قبول ولاية العهد والمشاركة في شؤون‎‎ إدارة‎‎ الدولة ليستطيع الطاغية العباسي ضم قوى المعارضة‎‎ وجمـع جنـاحـي القـوة العلوية‎‎‎ والعباسية بيده .

دعا المأمون الامام الرضا (ع) وعـرض عليه‎‎ قبول ولايه العهد فامتنـع الامـام (ع)، فرد المأمون بتهديـد بقوله: ان عمر جعل الشورى في سته احدهـم جدك (يقصد الامام‎‎ علي عليه السلام) وقـال من‎‎ خالف فأضربوا عنقه, ولابد من قبول ذلـك, فاجابه الامام الى‎‎ ذلك مكـرهـاً عـلـى أن لايأمر ولاينهي‎‎ ولايولي ولايعزل ولايتكلم بيـن أثنين بالحكم‎‎ ولايغير شيئا هو قـائم عـلـى أصوله؛ حيث لم تخف عن الامام أبا الحسن (ع) الدوافع الشيطانية‎‎ للطاغية العباسي في إستقـدامـه الى خراسان كما لم تخـف عـليـه متـطلبـات الظرف الذي كان يعيشه‎‎‎ صلوات اللـه عـليـه ولهذا أَكره‎‎ على قبول ولاية العهد .

أغتنم‎‎ الامام علي بن موسى الرضا (ع) هـذا الـظرف الذهبي‎‎ الذي جاءت بـه‎‎ ولايـة الـعهـد علـى الوجه الأكمل بهدف نشر معالم‎‎ الاسلام المحمدي الأصيل وتثبيت‎‎ دعائم أطروحة مـذهـب أهـل الـبيـت عليهم‎‎ السلام متحدياً كل الخطوط الـفكـريـة والمذهبية‎‎ المنحرفة آنذاك .

بعد فترة قصيرة أدرك المأمون عمـق الخـطر الذي ‎‎ يحيق به‎‎ وبحكومته من خلال تواجـد الامام (ع) في مركز حكمه, كما لاحظ نمو وشموخ خط الولاء لأهل الـبيـت علـيهـم السلام, وأدرك أن جميع أسلحته فشلت لتحديد الامام الـرضـا عليه السلام وظهرت النتائج على خلاف ما كان ينتظر ويؤمل‎‎ بل لاحظ ان الامام (ع) يزداد رفعـه بين الناس وكانت قواعده‎‎ المواليـة تـزداد إتساعاً وعدداً.

وفهم‎‎ المأمون بـأنـه لـم يـفلـح فـي إنتزاع الإعتراف بشرعية‎‎ حكمه من الامام (ع) كما لم‎‎ يفلح في إخضاعه لإرادته‎‎ ومطالـبـه فهو بالاضافة‎‎ الى ذلك لايستطيع تنـحية مـن ولاية العهد لأن الأمور سوف تزداد تـعقـيـداً ولن‎‎ يسكت العلويون على ذلك. ولم يجد المأمون بداً بحسب مقاييسه‎‎ الباطلة من القضاء على شخص الامام‎‎ (ع) وشخصيته وإغتياله‎‎‎ بطريقه خبيثـة بـدس السـم اليه ليمضي الامام (ع) شهيداً صابراً محتسباً.

اسفرت مدرسة‎‎ الامام‎‎ الرضا عليه السلام العلمية‎‎ عن‎‎ تخريج كـوكبـة مـن العـلمـاء الذين‎‎ كان عددهم يناهز الثلاثمائة. والذي يراجع مسند الامام الرضا عـليـه السلام ويلاحظ النصوص التي وصلتنا عنه يعرف حجم نشاطه العلمي ويلمس عمق المستوى‎‎ الذي بلغته‎‎‎‎ مدرسة الامام الفكرية وما أبدعه هذا الامام‎‎ العظيم من قواعد وأساليب لتـحقـيـق أهداف مدرسة‎‎ أهل‎‎ البيت للوصول الى القمة التي كانت‎‎ تستهدفهـا حـركة أهـل الـبيـت الرسالة‎‎ في‎‎ مجالي العلم والسياسة معا .

فسلام‎‎‎‎ عليه يوم ولد ويوم أستشهد ويوم يبعث حياً



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: