Tuesday 22 October 2019
رمز الخبر: ۹۷۴۶۴
تأريخ النشر: 13 July 2019 - 20:29


سركيس أبوزيد

سلط اكتشاف احتياطات ضخمة من الغاز في شرق المتوسط الضوء على تحوّلات عدة، في ظل صراعات تشهدها المنطقة للسيطرة على منابع ومصادر الطاقة فيها بين ثلاث قوى رئيسة هي مصر وتركيا و"إسرائيل". شكلت موارد الطاقة الإقليمية المكتشفة ـ تقدربـ 122 تريليون قدم مكعب

ـ الحافز الرئيسي لواضعي السياسات الأميركية الذين يعتبرون أن احتياطات النفط والغاز ضرورية لاستراتيجيتهم تجاه روسيا والاتحاد الأوروبي.

ويُنقل عن كبار مساعدي الأمن القومي للرئيس الأميركي أن خريطة حقيقية معلقة في البيت الأبيض، حددت عليها محطات الطاقة وحقول الغاز ومشاريع خط الأنابيب الطموحة في المنطقة. وتوضح الخريطة اكتشافات النفط والغاز قبالة سواحل قبرص ومصر و"إسرائيل" ولبنان على مدار العقد الماضي، وترسم بينها مسارات محتملة للتصدير يمكن أن تسهل في النهاية بيع الغاز الإقليمي الى الاتحاد الأوروبي.

مصر لها دور استراتيجي متنامي الأهمية على صعيد الاكتشافات الجديدة والتحوّل لتكون مركزا إقليميا للطاقة

بالنسبة إلى مصر فلها دور استراتيجي متنامي الأهمية على صعيد الاكتشافات الجديدة والتحوّل لتكون مركزا إقليميا للطاقة، ويساعدها في ذلك امتلاكها بنية تحتية متطورة، ولا سيما في مجال تسييل الغاز وتصديره، فضلا عن امتلاكها موقعا جغرافيا متميّزا، وشبكة أنابيب لنقل الغاز ومشروعات للتعاون الإقليمي .

من جهة اخرى أتاح التنقيب في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص بين العامين 2011 و2019 اكتشاف حوالى 16 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاسترداد، وبعد مرور أكثر من 8 سنوات من البحث عن الاستفادة من هذا الاكتشاف المهم نسبيا، توصل المسؤولون المعنيون في الحكومة القبرصية والشركات النفطية، أصحاب الحق، إلى حل يحفظ مصالح الجميع ويتضمن إنشاء خط بحري إلى محطة "إدكو" لتسييل الغاز في مصر، والمملوكة جزئيا من شركة شل البريطانية.

كما سبق وأُنشئ منتدى غاز المتوسط الذي يضم الأردن وإيطاليا واليونان وقبرص و"إسرائيل" والسلطة الفلسطينية. كما حصل اتفاق بين المسؤولين اليونانيين والقبارصة والإسرائيليين لإقامة خط أنابيب بقيمة 7 مليارات دولار من شأنه تسهيل تصدير الغاز المحلي إلى أوروبا.

على الخط الموزاي في "إسرائيل"، كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على "تويتر": نخطط لتشييد أنبوب غاز يسمى "إيست ميد بايب لاين"، سيمر من "إسرائيل"، عبر قبرص واليونان، الى أوروبا". وأضاف: "هذا الخط سيفيد أسواقنا الاقتصادية، ويمنح مواطنينا الاستقرار والازدهار، كما سيساهم في تنويع موارد الطاقة لدى القارة الأوروبية".

الولايات المتحدة تدعم استراتيجية التعاون الغازي بين" إسرائيل" ومصر، وتعمل على أن يوصل هذا التعاون في نهاية المطاف الغاز الإسرائيلي إلى الدول العربية، وأيضا إلى السوق الأوروبية. فالغاز يشكل عنصرا حاسما في العظمة الاستراتيجية لدولة "إسرائيل". واضح أن رهان نتنياهو على هذه العظمة يستند إلى تعاون الأنظمة العربية، وإلى تمدد فائدة الغاز لتوليد الفائدة الجيوسياسية.

خطوة الأنبوب الإسرائيلي (إيست ميد) هي خطوة وقائية استباقية لمواجهة الغاز اللبناني، قبل أن يباشر لبنان استخراج غازه وعرضه في السوق الدولية، والأوروبية تحديدا.

أين يقف لبنان من هذه التطورات؟

يرى الخبير النفطي ربيع ياغي أن لبنان بطيء جدا في السير بملف التنقيب عن النفط، مذكرا أن الاتفاق مع الكونسورتيوم الأوروبي كان يقضي بأن يبدأ الحفر في شهر آذار من 2019 بشكل متوازن في البلوك 4 والبلوك 9. وعلى هذا الأساس تم توقيع الاتفاقية معهم، لكن تم تأجيل هذا الموعد لأن التحضيرات الأولية لم تكتمل، فأصبحت المواعيد كالآتي: بدء الحفر بالبلوك 4 مطلع 2020 ، والبلوك 9 في أواخر العام 2020.

فجنوب لبنان منطقة نفطية واعدة جدا، لأن البلوكات قريبة جدا من شمال فلسطين التي تتم فيها الاكتشافات وحتى هناك مكامن نفطية مشتركة. انطلاقا من ذلك ظهرت الأطماع الإسرائيلية في المياه الجنوبية اللبنانية.

الغاز اللبناني معرضا للمخاطر لناحية: السعر، التصدير، المنافسة والضغوط

في المقابل سيكون الغاز اللبناني معرضا للمخاطر لناحية: السعر، التصدير، المنافسة والضغوط، فيما تموضعه في أي من المحاور المتنافسة في المنطقة ليس سهلا. ورغم أن لبنان أحرز تقدما مهما في تطوير مصادره النفطية، لكنه تأخر في طرح المناقصات في ضوء التجاذبات السياسية المحلية، ما تسبب في تراجع اهتمام الشركات العالمية العاملة في مجال الطاقة بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية.

أما سوريا، فلا تُعد بين الدول الغنية بالنفط، لكنها رغم ذلك كانت قادرة على تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية.

وتعاني سوريا منذ بداية الحرب عام 2011 من صعوبة في تأمين المشتقات النفطية اللازمة، سواء للتدفئة أو للسيارات والآليات، أو لمحطات توليد الكهرباء. وتمكنت الدولة السورية من التعامل مع الأزمة وفق المعطيات المتوفرة، حيث بقي الحد الأدنى المطلوب متوفرا مع إختلاف نسبة توفره بين فترة وأخرى.

على خط موازٍ، تظهر التقارير أن "إسرائيل" تبذل جهودا كبيرة في التفتيش عن النفط والحصول على دعم أميركي لهذه الجهود التي تمركزت حول التنقيب عن النفط في هضبة الجولان السورية. وكشفت صحيفة "هآرتس" أن اعتراف واشنطن بالسيادة الإسرائيلية على الجولان يرمي إلى تحقيق سيطرة أميركية وإسرائيلية على كميات كبيرة من النفط والغاز من المتوقع اكتشافها في هضبة الجولان. وقيل إن الجولان يحتوي احتياطات متوقعة بنحو مليار برميل نفطي، وسيسهم هذا في تحويل إسرائيل من بلد مكتفٍ ذاتيا إلى مصدّر بحلول عام 2020.

أما في تركيا، فقد تصاعدت حرب المواقف بين أنقرة من جهة وكل من مصر وقبرص واليونان من جهة أخرى حول التنقيب عن الغاز والنفط في شرق البحر المتوسط. فقد أدانت كل من اليونان وقبرص أنشطة تركيا شرق المتوسط، فيما جددت أنقرة تمسكها بالتنقيب عن النفط والغاز في هذه المنطقة. في المقابل، أعلنت السلطات البحرية التركية نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز الطبيعي حتى أيلول المقبل في منطقة من البحر المتوسط ، وتؤكد سلطات قبرص أنها تندرج ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية المقسمة.

التحركات التركية أعقبتها ردود فعل، فقد نبّه زعماء الاتحاد الأوروبي تركيا إلى ضرورة وقف أعمال التنقيب عن الغاز في مياه متنازع عليها حتى لا يتخذ الاتحاد إجراء ضدها، بعد مطالبات من اليونان وقبرص للاتحاد بالتدخل. ووافقت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، مؤخرا، على مشروع قانون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لتحديث الاستراتيجية الأميركية في شرق البحر المتوسط، يطالب وزارة الخارجية بمراقبة الانتهاكات التركية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بقبرص.

في النهاية، لا يُمكن اختزال ما يجري في المتوسط من تبادل للرسائل الصارمة في كونه خلافات بين الدول التي تم اكتشاف الغاز والنفط ضمن أراضيها أو في مياهها الإقليمية، ففصول الصراع على مكامن الطاقة في شرق المتوسط تبدو متشابكة الأطراف والخلفيات. فالواقع القائم يشير إلى تداخل شبكة مصالح دولية ضخمة ترتبط بشركات عملاقة، فالصراع على مكامن الطاقة هو أساس الحروب والأزمات القائمة في الشرق الأوسط والتي يبدو أنها غير قابلة للحل في القريب العاجل.



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: