Thursday 27 June 2019
رمز الخبر: ۹۵۸۵۳
تأريخ النشر: 14 June 2019 - 19:50


عادل الجبوري

رسمت الشهور الستة الأخيرة صورة أخرى للحشد الشعبي، تختلف في ظاهرها عن الصورة التي ارتسمت له منذ اليوم الأول لتأسيسه في الرابع عشر من شهر حزيران/ يونيو 2014، وحتى اعلان النصر الشامل والناجز على تنظيم "داعش" الارهابي في التاسع من شهر كانون الاول/ ديسمبر 2017.

بينما كانت مفردة "الجهاد" هي الحاضرة والمتصدرة خلال مرحلة الحرب ضد "داعش" الارهابي، تصدرت مفردات "الانقاذ" و"البناء" و"الخدمات" صورة الشهور الستة الأخيرة، استكمالا لاستحقاقات مرحلة الحرب.

ولعل الارقام، تكشف عن حقيقة الدور المحوري والمهم الذي اضطلعت به مختلف مفاصل وعناوين الحشد الشعبي، في معالجة آثار الفيضانات والسيول التي اجتاحت مناطق عديدة من العراق، خلال شهري نيسان/ أبريل وأيار/ الماضيين، وفي دفع الضرر عن منشآت اقتصادية ـ نفطية حيوية، وفيما بعد التصدي للحرائق التي اجتاحت مساحات زراعية واسعة في شمال ووسط وجنوب البلاد. وقبل ذلك، لم يكن الحشد الشعبي غائباً أو بعيداً عن انقاذ مئات أو آلاف العوائل من عصابات "داعش"، ولم يكن غائباً أو بعيداً عن المساهمة بإعادة عشرات الآلاف من النازحين الى بيوتهم.

في مرحلة الحرب والمواجهة العسكرية المسلحة مع "داعش"، شارك الحشد الشعبي في تحرير عشرات المدن والمناطق العراقية من تنظيم "داعش" الارهابي، ومن بينها جرف النصر وبيجي وسامراء وتكريت والفلوجة والرمادي والموصل والعظيم وعزيز بلد وتلعفر وامرلي وسنجار وسبع البور وعرب جبور والضابطية وابو غريب وهور رجب وحمرين وغيرها.

وخلال تلك المرحلة وفي المرحلة التي تلتها، تتحدث الأرقام بأن الحشد الشعبي بمديرياته ومكاتبه وفروعه المختلفة، ساهم بإعادة 187.996 الف نازح من أصل 358.413 الف نازح الى محافظة ديالى خلال عام 2015.

وساهم بإعادة 682.583 الف نازح من اصل 735.988 الف الى محافظة صلاح الدين خلال نفس العام.

وساهم بإعادة 928.626 الف نازح من اصل 1.485.341 مليون إلى محافظة الأنبار خلال عام 2016.

وساهم بإغاثة 22.089 الف مدنيا خلال معركة تحرير قضاء الفلوجة (6244 رجلا ـ 6851 امرأة ـ 8994 طفلا) خلال شهري ايار/ مايو وحزيران/ يونيو من عام 2016.

وساهم بإعادة 92.850 الف نازح من مجموع 2.989.341 مليون في نينوى خلال عام 2017.

وساهم في توفير الخدمات الطبية لـ(21.745) الف نازح في نينوى، واجلاء 140.000 نازح من الموصل في عام 2017.

وساهم الحشد الشعبي كذلك بإعادة 522.000 نازح عراقي من سوريا الى العراق.

وفي ميدان آخر، كان للتشكيلات الهندسية واللوجيستية في الحشد الشعبي دور مهم جداً في انقاذ 240 قرية في محافظات ميسان والبصرة وواسط وضواحيهما من اخطار السيول والفيضانات، وفي انقاذ عدة منشات ومصافٍ نفطية استراتيجية في هذه المحافظات، ومن ثم ساهم ـ وما زال يساهم ـ في عمليات أطفاء الحرائق بعشرات الحقول الزراعية في نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى والنجف ومحافظات اخرى.

هذه الارقام العميقة في دلالاتها، تمثل جزءا من صورة الحشد الشعبي بعد مرحلة "داعش"، فهناك أرقام أخرى لا تقل أهمية عن الارقام المشار اليها، كلها تؤكد وتثبت أنه اذا كانت مهمة الحشد العسكرية قد انتهت في جانب معين، فإن رسالته باقية ومستمرة، مع تبدل وتغير المهام والادوار بحسب مقتضيات الظروف والاحوال، وجوهر ومضمون هذه الرسالة هو صيانة كرامة وعزة واستقلال وسيادة البلاد، وحفظ مقدساتها وحرماتها، والعمل على اعادة بنائها واعمارها.

إعادة النازحين والمهجرين، وانقاذ الناس من الفيضانات والسيول، واخماد الحرائق، والمحافظة على ممتلكات وثروات البلاد الاستراتيجية، وتأمين الحماية لدوائر ومؤسسات الدولة والعتبات المقدسة والزائرين، وتوفير الخدمات الضرورية والأساسية للكثير من المدن والمناطق المحرومة، ورعاية ذوي الشهداء، والجرحى.. كل ذلك ترجمة عملية لتلك الرسالة المقدسة للحشد الشعبي، التي تجلت قبل ذلك وبرزت مصاديقها في سوح الجهاد، عبر بطولات وتضحيات كبرى، لولاها لما انكسر وانهزم داعش شر انكسار وهزيمة.

لا يخفى على المراقب، وعموم الرأي العام، أن ثلاثة عوامل ساهمت في ان يضطلع الحشد الشعبي بدور مهم وفاعل، ويتنامى حضوره الميداني من خلال انجازات وانتصارات عسكرية مشرفة، الى جانب دوره في الجوانب الانسانية والخدمية المتنوعة، وهذه العوامل الثلاثة هي، فتوى المرجعية الدينية، ودعم الجمهورية الاسلامية الايرانية، والتفاعل الجماهيري الواسع من مختلف فئات وشرائح المجتمع العراقي، دون اقتصارها على عنوان ديني او مذهبي او قومي او مناطقي واحد.

وما زالت العوامل الثلاثة المشار اليها حاضرة، ومستوى حضورها وتأثيرها يرتبط بطبيعة أداء الحشد، ومستوى ذلك الاداء وأهميته.

لا شك أن الاطار المرجعي "فتوى الجهاد الكفائي" الذي تأسس الحشد على ضوئه، هو ذاته الذي يمكن أن يحدد طبيعة سلوك ودور ومكانة وموقع الحشد بعد التخلص من عصابات "داعش"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إقرار قانون الحشد الشعبي من قبل مجلس النواب العراقي في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وضع النقاط على الحروف، وأجاب عن تساؤلات واستفهامات عديدة، وبدّد قدرا غير قليل من المخاوف والهواجس المثارة من هنا وهناك.

والملفت انه بينما واصل الحشد الشعبي حضوره الفاعل والمؤثر في شتى الميادين والساحات، لم تتوقف حملات التشوية والاساءات ضده من قبل بعض الدوائر السياسية والاعلامية المخابراتية الخارجية الاقليمية والدولية، مع جهات داخلية متماهية معها ومنساقة وراءها، والتي بدت انها وجه اخر للاستهداف العسكري المسلح طيلة مرحلة الحرب ضد "داعش".

ولعل المعادلة الواضحة والجلية، تتمثل في انه كلما زاد حضور وتأثير الحشد الشعبي بشتى الميادين والساحات، وبمختلف المفاصل والعناوين، ارتفعت وتيرة حملات التسقيط والتشويه الموجهة ضده، وهذا أمر طبيعي ومتوقع، يعكس تقاطع الاجندات والمشاريع التخريبية الخارجية مع الإرادة الوطنية بكل ادواتها وعناصرها. وما يرفع عقيرة الاعداء والخصوم، هو ان الحشد بات يعد رقما صعبا ومهما وثقيلا في كل المعادلات، ضمن حدود الجغرافيا العراقية وما وراءها، وعنوانا واسعا وعريضا في جبهة المقاومة الى جانب العناوين الاخرى، برسالتها الواحدة الموحدة، ومهامها وادوارها المتعددة المتنوعة.



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: