Sunday 18 November 2018
رمز الخبر: ۸۲۰۹۶
تأريخ النشر: 11 September 2018 - 20:42


عبير بسام

اتخذت روسيا منذ 20 تموز/يوليو المبادرة بدعوة كل من الأمم المتحدة والدول الغربية للمساهمة في إعادة اللاجئين السوريين إلى بلداتهم وبيوتهم التي نزحوا منها. قوبلت المبادرة بالتشكيك من قبل كل من الأوروبيين والأمم المتحدة، والذين تنتشر تصريحاتهم في جميع وسائل الإعلام. الرفض الذي أبدته أوروبا في الحقيقة ليس إلا مماطلة، وخاصة أنها ما تزال تصرح بأن سوريا بلد ما تزال غير آمنة لعودة النازحين إليها.

جاء الموقف الروسي بعد اجتماع هلسنكي الذي ضم كلًّا من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب في 16 تموز/ يوليو 2018، والذي ناقش موضوعين أساسيين هما: سوريا وأوكرانيا، الأمر الذي يوضح الإعلان عن الخطوتين الرئيسيتين اللتين أعلنتا بعد هذا الاجتماع:

الأولى: إعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا، وهذا ما أكده مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي، إضافة إلى معركة إدلب، والتي يبدو أن الأميركي لن يتدخل بها، على الرغم من الفقاعات الإعلامية، التي رافقت التحضيرات للمعركة، ومنها مسرحية الكيماوي المفترضة!

الثانية: هي لقاء بوتين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والذي انبثق عنه بدء العمل بخط أنابيب الغاز "Nord Stream2" أي "جدول الشمال 2" في العام 2019، على الرغم من المعارضة الأميركية، خاصة وأن خط الأنابيب لن يمر عبر أوكرانيا ما سيحرمها من عائدات مرور خطوط الغاز الروسي في أراضيها. بالطبع ناقش اجتماع القمة الروسي - الألماني الموضوع السوري والقرار الروسي بتفعيل عودة اللاجئين السوريين إلى بلداتهم وقراهم. غير أن الموقف الألماني لم يتوافق مع الموقف الروسي. ويستند إلى قرار الإتحاد الأوروبي في إعلان سوريا بلداً غير آمن، وهو أيضاً مرتبط بزعمهم أن النظام يرفض مشاركة ما يسمى بـ"معارضة الخارج" في الحكم.

ولكن ماذا تعني مشاركة المعارضة في الحكم بالنسبة لأوروبا والأميركيين؟

فرض "المعارضة" المزعومة هو دليل مباشر، على أن الغرب يعتقد أنه قادر على اشتراط وجود حكومات أو أفراد موالين لهم في وزارات وبرلمانات دول العالم الثالث من خلال الإنقلابات التي يمولونها، وخاصة بعد "الربيع العربي"، ومهما يكن طابع هذا الانقلاب: عسكريًا كان، أو سياسيًّا، أو شعبيًّا تحت مسمى الثورات، أو بإمكانهم تقويض الثورات والحركات التي تتناقض واستراتيجياتهم. ولربما إذا نجحت هذه التجربة في سوريا، فمن الممكن تصديرها مع التعديل بما يناسب دول الجوار، مثل تركيا وإيران. وفشل مشاركة المعارضة يعد دليلاً قاطعاً على فشل الغرب في التدخل في الشؤون الداخلية والسياسية والإقتصادية في سوريا، أي فشله في التشريع لما سمي بالثورة فيها.

كما يعني عدم مشاركة ما يسمى بـ"المعارضة" أن الغرب بشكل عام، غير قادر على منح حلفائه من المعارضين، المكاسب التي وُعِدوا بها مما يضع مصداقيتهم على المحك في أي تجربة قادمة. وقد صرح مسؤولون في الإتحاد الأوروبي للعديد من الوكالات أن التكتل الأوروبي متمسك بموقفه بعدم تقديم أموال لإعادة الإعمار في سوريا أو حتى تقديم المساعدات من أجل إعادة اللاجئين السوريين ما دام الرئيس بشار الأسد لا يسمح للمعارضة "المزعومة" بالإشتراك في السلطة، وأكد ذلك ما نقلته رويترز عن أن " الإتحاد الأوروبي يدعم جماعات سورية معارضة في الحرب المتعددة الأطراف، والمستعرة منذ أكثر من سبع سنوات. وهذا يرجح أساس الخلافات بين القوى الإقليمية والعالمية حول كيفية إخمادها". وهذا الكلام دقيق جداً.

وعليه فإن أية مساهمة أوروبية في إعادة الإعمار تعد تراجعاً تاماً عن الدور الأوروبي لمصلحة تقدم الدور الروسي والمصادقة عليه أيضاً. كما أن تقديم الأموال للدولة السورية في هذه المرحلة من قبل الأوروبيين له دلالات عديدة، وأهمها أن الأوروبيين يتعاطون مع سوريا على أنها دولة ذات سيادة وقادرة على إدارة إعادة الإعمار بنفسها. وهذا في حد ذاته إقرار بالهزيمة في سوريا لصالح الدولة والنظام فيها، كما أنه يمثل إقراراً أوروبياً جماعياً بشرعية الحكومة والدولة السورية برئاسة بشار الأسد.

ما يزال الأوروبيون والأميركيون يناورون ويرفضون المساهمة في عودة اللاجئين

يأتي الإعلان الروسي قبيل معركة إدلب، التي تعني بالمفهوم السياسي والعسكري نهاية الحرب على سوريا والخروج التركي والأميركي العسكري نهائياً من الأراضي السورية، وبالتالي طرح التسويات بما يتعلق بالقضايا العالقة ومنها قضيتين أساسيتين: الأول نهاية المشروع الكردي بإقامة فيدرالية، وهو ما تخشاه تركيا وما لم تقبل به الحكومة السورية، وهو أمر بات محسوماً. والثاني هو محاولة شاملة لضبط تواجد المجموعات المسلحة وعائلاتهم في ادلب. وهو ما أبدت جميع الدول المشاركة في الحرب على سوريا التخوف منه. حتى أن الرئيس الأميركي، وبحسب رويترز، أبدى تخوفاً صريحاً من انتقال هذه المجموعات إلى أمريكا ودول صديقة لها! وهذه القضية هي من أهم المسائل التي تدفع بالمماطلة من أجل إطالة أمد الحرب في سورية. والتدخل الروسي بالتنسيق مع الدولة السورية لن يسمح بدخول إرهابيين يتسللون إلى سوريا من خلال رحلة العودة، ليتحولوا إلى خلايا نائمة فيها. ولربما كانت تأمل كل من تركيا والولايات المتحدة وأوروبا بعودة هؤلاء دون أن يتم ذلك بالتنسيق والمتابعة مع الدولة السورية مما يجنب الغرب قضية التعامل معهم في المرحلة القادمة.

وبناء على ما سبق فإن الخوف الذي تدعيه تركيا على سلامة 3.5 مليون شخص، سيكونون تحت الخطر في حال الهجوم العسكري هو خوف من هرب المقاتلين إلى أراضيها، والذين هم في حقيقة الأمر مرتزقة، ولا يريد أحد من العالم عودتهم، لما سيشكلون هم وعائلاتهم من عبء عليهم. ولا ننسى أن روسيا أيضاً تخشى تسلل هؤلاء المرتزقة إلى أراضيها. وبالتالي فإن الدعوة لعودة اللاجئين هي فعلياً تمثل دعوة لعودة الأهالي الآمنه، خصوصاً وأنها تتم بالتنسيق التام مع الدولة السورية.

مسار الأحداث في سوريا نسف ما كان يخطط له في المنطقة. وما يزال الأوروبيون والأميركيون يناورون ويرفضون المساهمة في عودة اللاجئين من أجل الحصول على مكاسب سياسية، على الأقل من باب حفظ ماء الوجه.



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: