kayhan.ir

رمز الخبر: 125649
تأريخ النشر : 2021January23 - 20:01

الخطيئة الأصلية لوجود الدولة الامبريالية الاميركية

جورج حداد

كانت الحرب العالمية الثانية مأساة مروّعة هي الأكبر في تاريخ الحروب البشرية حتى اليوم. لكن تلك التراجيديا الانسانية كانت أضخم "مشروع استثماري ناجح" للامبريالية الاميركية. وقد خرجت الدولة الامبريالية الاميركية من تلك الحرب، كأقوى وأغنى دولة في العالم، تنتشر قواتها المسلحة في كل أرجاء المعمورة (باستثناء المنظومة السوفياتية السابقة والصين)، ويوازي اقتصادها المالي ـ الريعي والتجاري اقتصادات جميع دول العالم قاطبة، بما في ذلك روسيا والصين حتى ذلك التاريخ. واستنادا الى هذا الوضع المميز، شنت الولايات المتحدة الاميركية حربها العالمية الشاملة (جيوسياسيا وعسكريا وامنيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا واعلاميا ودبلوماسيا) لفرض هيمنتها الامبريالية المطلقة على دول وشعوب العالم بأسره. وقد حققت أميركا انتصارات، ومنيت بهزائم، في هذه الحرب الشاملة. ولكن في العقود الأخيرة فإن موجة العولمة الامبريالية الاميركية للهيمنة على العالم اصطدمت بـ"كاسر امواج" راسخ، ردها على أعقابها، وتمثل موضوعيًا في "محور شرقي جديد" تألف من روسيا والصين وايران. والآن، وبحكم قوانين الطبيعة ذاتها، الفيزيائية والمجتمعية، فإن الموجة الامبريالية العالمية ترتد الى مصدرها بالذات، لتفجر جميع التناقضات الوجودية للدولة الامبريالية الأميركية.

ونحاول فيما يلي أن نلقي نظرة موجزة على الخطيئة الأصلية لوجود الدولة الأميركية، التي تمثل الخلفية الأساسية لجميع التناقضات الداخلية والخارجية لأميركا. ونحن ننطلق من الفكرة المنطقية بأن ما يجري في اميركا بعد اليوم سيكون له أكبر الأثر على مصائر جميع الأوضاع والأنظمة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية لجميع دول وشعوب العالم:

ان الغالبية الساحقة من دول العالم، كبيرها وصغيرها، تتشكل من شعب تكوّن بنتيجة اندماج تاريخي ـ حضاري لاثنيتين أو قوميتين أو أكثر، مع غلبة ثقافية ـ حضارية لاحدى القوميات أو الاثنيات السابقة التي تشكل منها ذلك الشعب. وهناك العديد من الدول ـ الامم، تشكلت بنتيجة الاندماج التاريخي ـ الحضاري بين شعب تم غزوه واحتلاله، وبين المحتلين أنفسهم. ولكن توجد على الخريطة أكبر دولة اغتصابية هي الولايات المتحدة الاميركية، التي تتشدق دائما بشعارات "الدمقراطية" و"الحرية" و"العدالة" و"حقوق الانسان" و"حق تقرير المصير للامم والشعوب"، من أجل تغطية جرائمها التاريخية العظمى السابقة ضد الانسانية، وتغطية سياستها الامبريالية الوحشية الهادفة الى غزو العالم، كما غزا "الاميركيون الاوائل" ـ اليهود والتوراتيون المتهودون ـ الارض المسماة "اميركية"، واغتصبوها من سكانها الاصليين وابادوهم، وبنوا فوق جماجمهم الدولة "الديمقراطية" الاميركية، التي هي أفظع لطخة عار في تاريخ البشرية.

ان كل شبر في الارض "الاميركية" هو أرض مغتصبة بالحديد والنار، وكل حجر وكل قبضة تراب في "اميركا" هما مجبولان بدماء السكان الاصليين لما سمي "اميركا". وان ارواح 112 مليون "هندي احمر" الذين قطعت رؤوسهم، والذين مزقت أجسادهم بالسيوف أو بالبنادق الاوروبية الحديثة، أو وشمت أجسادهم ثم سلخت وهم أحياء، لاستخدام جلودهم الموشومة لأجل الزينة، ثم رميت جثثهم لتأكلها الغربان والكلاب الشاردة -وحتى اليوم لا تزل بعض عائلات اللوردات الانكليز تحتفظ في اقبية قصورها بالجلود الموشومة للهنود الحمر، بوصفها "تحفا فنية" موروثة من اجداد العائلة النبلاء الانكليز العظام!- إن أرواح هؤلاء المظلومين لا تزال تحوم فوق تمثال الحرية في نيويورك ومبنى الكابيتول في واشنطن. واليوم، فإن كل أميركي معاصر يسير في أي شارع، وأي طريق، في المدن أو الارياف الأميركية، انما يدوس بقدميه، عن وعي أو غير وعي، على جماجم "الهنود الحمر" المظلومين، الذين ليست لهم قبور، والذين زرعت عظامهم في جميع أرجاء ما يسمى "اميركا" و"الولايات المتحدة الاميركية".

لقد كان الشعار الرئيسي لمؤسسي "الولايات المتحدة الاميركية": "ان أفضل هندي أحمر هو الهندي الاحمر الميت!". وان الابادة الكاملة لشعب أو شعوب الهنود الحمر في "اميركا" هي أكبر وافظع ابادة جماعية في تاريخ البشرية، وهي أضخم بمرتين من ضحايا الحربين العالميتين الاولى والثانية مجتمعتين، وأضخم بحوالي عشرين مرة من الهولوكوست ضد اليهود اللاصهيوينيين على أيدي النازيين، عملاء اميركا السريين، في الحرب العالمية الثانية. وفي أعقاب تلك الحرب بنيت "هيئة الامم المتحدة"، التي صدرت عنها "شرعة حقوق الانسان"، بهدف أساسي هو التمويه واسدال الستار على الماضي الفظيع لتأسيس اميركا، ووضع قناع "حقوقي ودمقراطي" على الوجه البشع للوحش المخيف المسمى "الدولة الاميركية"، ومنع نصب قوس العدالة واجراء محاكمة دولية تاريخية لتلك "الدولة ـ الوحش".

ان الدولة الاميركية الاغتصابية ـ العنصرية ـ الدينية (اليهودية والتوراتية)، وجدت وبنيت على التعصب المميت (الابيض، اليهودي والمتهود)، والعنصرية والاغتصاب. وبدون التعصب والعنصرية والاغتصاب لا وجود لاميركا. ولا تغير هذه الحقيقة التاريخية، في شيء، ان يلبس الذئب جلد حمل، أو أن يضع الغاصب والمستبد والسفاح بعض ضحاياه من "الملونين" في واجهة "السلطة الاميركية" لأجل خدمة أهدافه العنصرية وتسهيل افتراس جميع شعوب العالم.

وان النزعة العنصرية ـ الاغتصابية هي "الخطيئة الاصلية" لوجود اميركا، وهي تدخل في التكوين الجيني للدولة الاميركية، ولجميع "مؤسسي" اميركا من العنصريين الاوروبيين البيض واحفادهم. وهذه النزعة تطبع تماما السياستين الخارجية والداخلية لاميركا، كما تطبع اخلاق وسلوكية "الاميركيين الحقيقيين" و"الاصليين"، تجاه الاميركيين الوافدين أو الطارئين و"الملونين"، وتجاه بعضهم البعض كذلك، فكل "اميركي" هو ذئب في مواجهة كل "اميركي" اخر.

والدولة الاميركية تنظر الى جميع شعوب العالم كـ"هنود حمر" وقطعان ماشية، محللة للافتراس، لا أكثر ولا أقل. وكل "اميركي اصيل" ينظر الى كل من عداه كضحية محللة له.

وفي المرحلة التاريخية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كانت روسيا والصين واوروبا لا تزال تلعق جراحها، وكانت الولايات المتحدة الاميركية تنفّس عن نزعتها الاغتصابية ـ العنصرية، في التوسع الخارجي وتحقيق النجاحات على مختلف الصعد، خاصة المالية والتجارية والاقتصادية، الى درجة انها اصبحت تنهب الجميع، وتحولت الى دولة طفيلية تعيش على حساب جميع شعوب العالم، ولم تعد تعتمد على انتاجها الداخلي، وصار قطاع الانتاج الاميركي يمثل اقل من 20% من الناتج الاميركي القائم أو الدخل القومي الاميركي. والنهب الاميركي لشعوب العالم هو "الاساس الاقتصادي" للازدهار الاميركي، الذي لعب دوره في تخدير "الشعب الاميركي" و"التنويم" المؤقت للتناقضات الوجودية لاميركا.

ولكن مع اصطدام موجة التوسع العالمي لاميركا بجدار المقاومة الروسي ـ الصيني ـ الايراني، فإن عصر التوسع الخارجي لاميركا ولى الى غير رجعة، وبدأت الموجة التوسعية الاميركية في الانحسار، والارتداد الى الداخل الاميركي بالذات.

وان هذا الارتداد سيؤدي الى احتدام جميع التناقضات الاميركية الداخلية، والى الصراع بين جميع القطاعات الاقتصادية الانتاجية والتجارية والمالية، وبين جميع الفئات والتكتلات السياسية والدينية والعنصرية والاتنية والاعلامية والامنية والعسكرية و"الشعبية" والمافياوية، الاميركية، وحتى الى صراع الديوك على المزابل في الاحياء والزواريب الفقيرة.

وكل محاولات "التسوية" و"المصالحة" على مستوى النخبة الحزبية الاميركية الحاكمة، "الديمقراطية" و"الجمهورية"، لن تكون اكثر من قنبلة دخانية تغطي مؤقتا التناقضات الحادة في المجتمع الاميركي القائم على التعصب والاغتصاب، وربما تسهم في تأجيل -ولكنها لن تلغي- الانفجار الحتمي الكبير للدولة الاميركية المصطنعة، القائمة على جماجم المظلومين، والمغتصبة لارضهم بالذات! ولم يعد بعيدا اليوم الذي تأكل فيه الذئاب الاميركية بعضها بعضا!