Sunday 09 August 2020
رمز الخبر: ۱۱۶۸۵۶
تأريخ النشر: 02 August 2020 - 21:14


د. حسين مجدوبي

وقعت إيران مع الصين بشكل رئيسي ومع روسيا بشكل ثانوي اتفاقية عملاقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى تقدر بـ 400 مليار دولار وهي استثمارات صينية ودعم عسكري في إيران مقابل المحروقات وتمتد على 25 سنة. وتدشن الاتفاقية عهدا جيوسياسيا جديدا في العالم ولاسيما في منطقة الشرق برمته وليس فقط الشرق الأوسط.

وجاء الإعلان عن هذه الاتفاقية بحر الأسبوع الجاري بعد تكتم دام قرابة أربع سنوات من المفاوضات والمباحثات بسبب التردد الإيراني من فقدان السيادة في وقت تظهر فيه طهران حساسية شديدة في استقلالية قراراتها السياسية.

وتفيد الخطوط العريضة التي تسربت حتى الآن حول هذه الاتفاقية باستثمار الصين 400 مليار دولار في إيران تهم مختلف القطاعات مثل البنيات التحتية من طرق سيارة وسكك حديدية تتعلق بالقطارات بما فيها السريعة والملاحة الجوية وتحديث الأسطول التجاري البحري وقطاع الاتصالات ثم الاستثمارات الضخمة ستذهب إلى قطاع البترول والغاز. وفي المقابل، تحصل الصين على امتيازات في مجال الغاز والبترول وسيكون الأداء بالعملة الوطنية لكل بلد. وعلاوة على هذا، سترخص إيران للصين بالتواجد العسكري في البلاد رفقة الروس.

وتعد الاتفاقية التي سيصادق عليها برلمان البلدين لتدخل حيز التطبيق مفاجأة حقيقية للعالم لسببين، الأول وهو ضخامة الاستثمار الصيني الذي يبلغ 400 مليار دولار على مدار 25 سنة، بمعدل 16 مليار دولار سنويا. ولا يمكن العثور في الاستثمار الدولي على استثمار من هذا النوع وبهذا الحجم. بينما يتجلى السبب الثاني في النتائج الجيوسياسية الهائلة التي ستترتب عن هذا الاتفاق.

مواجهة الحظر الأميركي

وتعاني إيران من حظر أميركي شديد يشل قدراتها الاقتصادية ويحول دون تطورها. ورغم اعتمادها على نفسها في تحقيق قفزة نوعية في قطاع الزراعة وصناعة الأدوية وبعض الصناعات، تبقى هذه المجهودات قاصرة في ظل احتياجاتها للتطور التكنولوجي السريع في الاتصالات وكذلك وسائل النقل، إذ لا يمكن لبلد التطور بدون بنيات تحتية صلبة في مجال النقل وطنيا ودوليا.

ويمكن انتظار نتائج مبهرة ستنعكس إيجابا على إيران بسبب التقدم الصيني في مختلف المجالات وخاصة الاتصالات ووسائل النقل. فهي رائدة في مجال تكنولوجيا الاتصالات ومنها الجيل الخامس ورائدة في بناء الطرق السيارة والسكك الحديدية والمطارات. وعليه، قد يتغير وجه إيران خلال عقد من الزمن في حالة بدء تنفيذ هذه الاتفاقية ابتداء من السنة المقبلة. ستصبح في بنياتها شبيهة بالصين والدول الغربية أو كوريا الجنوبية. وهناك طموح صيني قوي في هذا المجال لتجعل من إيران رمزا لنجاحها في التعاون الدولي ومثالا قد تقدم عليه الدول الأخرى في توقيع اتفاقيات مع الصين.

في الوقت ذاته، قد تستهلك الصين كل الإنتاج الطاقي الإيراني من نفط وغاز وبهذا ستعفي إيران من الرهان كثيرا على السوق الدولية وتجاوز العقوبات الأميركية. وستضمن الصين لنفسها الطاقة بعيدا عن التقلبات السياسية الدولية والمناورات الأميركية.

عبر إسلام آباد

ويبقى الشق العسكري والحضور الصيني والروسي في إيران العنوان الجيوسياسي لهذه الاتفاقية. إذ بموجب الاتفاقية ستحصل الصين على امتيازات عسكرية في إيران المطلة على الخليج الفارسي، المنطقة الرئيسية للنفط. فمن جهة، لا أحد سيستطيع الآن مهاجمة إيران عسكريا بسبب المصالح الروسية والصينية. فهذا التواجد سيترجم بتعزيز قدرات الجيش الإيراني بأحدث الأسلحة ومنها منظومة الدفاع الجوي الروسية المضادة للطيران والصواريخ إس 400.

في الوقت ذاته، يصبح للصينيين والروس تسهيلات بشأن الوصول إلى الخليج الفارسي وبالتالي الشرق الأوسط برمته. ويأخذ هذا المعطى أهمية أكبر بفضل الامتداد البري، أي الطرق التي ستربط بين الصين وإيران عبر باكستان، وهو وضع شبيه بالطرق التي تربط بين الساحل الشرقي الأميركي والغربي منه، لكن هذه المرة ترتكز على ما يسمى طريق الحرير الذي يهيكل التجارة العالمية الآن ومستقبلا. وتكتسب إيران قوة أكبر للطموحات الصينية بحكم توفر إيران على 15 من نقط الحدود المشتركة بين البحرية والبرية. وتشترك إيران في الحدود البرية مع أفغانستان وأرمينيا وآذربيجان والعراق وباكستان وتركيا وتركمانستان، بينما تشترك في الحدود البحرية مع روسيا وكازاخستان في بحر الخزر ومع كل دول الخليج الفارسي ومنها السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان. وبدورها تشترك الصين مع 15 دولة في الحدود البرية والبحرية، وهذا يعني أن هذه الاتفاقية تمس جيوسياسيا عشرات الدول الأسيوية وروسيا. وكانت الدول الثلاث وفي تمرين لهذه الاتفاقية، قد أجرت مناورات عسكرية خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي في مياه بحر العرب والخليج الفارسي، وشكلت مفاجأة للغرب ولكن دون فهمه للأبعاد الحقيقية لهذه المناورات والتي تترجم حاليا في اتفاق جيوسياسي هائل.

ضربة للدولار

لعل من العناوين البارزة لهذا الاتفاق هو اعتماد العملات الوطنية بين بكين وطهران علاوة على روسيا وقد تدخل حتى باكستان في هذه الدينامية بفضل وجودها بين الصين وإيران وستكون حلقة هامة في النشاط التجاري والاستثماري. وستتخلص إيران نهائيا من هيمنة عملة الدولار التي تقف بمثابة سيف ديموقليس على رأسها وتحول دون تطورها بسبب صعوبة اقتناء ما تحتاج من السوق الدولية نتيجة العقوبات الأميركية. وبدورها، ستكون الصين قد قطعت شوطا في تثبيت عملتها اليوان في التجارة العالمية لضرب هيمنة الدولار. ومن شروط تزعم الصين للعالم هو جعل عملتها رئيسية بدل الدولار أو ندا له في التجارة العالمية.

وهذه الاتفاقية تضرب مصالح الغرب في العمق بل حتى مؤسسات مالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. بفضل الاتفاقية، أصبحت السوق الإيرانية مغلقة أمام استثمارات دولية ومنها أوروبية، وبهذا يفقد الأوروبيون سوقا واعدة للاستثمار، فكل الصفقات تذهب الى الصين. وستراهن دول أخرى على النموذج الصيني لأنه سيعفيها من طلب قروض من المؤسسات المالية الدولية التي يتحكم فيها الغرب، فقد تسدد بعملتها الوطنية وثرواتها الطبيعية وتنجو من الشروط والفوائد المرهقة التي تكبل تطورها.

ضربة موجعة لإسرائيل

هذه الاتفاقية الاستراتيجية تعني نهاية المناورات الأميركية والإسرائيلية الكبرى وكذلك السعودية ضد إيران. وتخطط الدول الثلاث منذ عقود لإضعاف النظام الإيراني من أجل إسقاطه، وكانت آخر حلقة هي انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة والدول الأوروبية إضافة الى الصين وروسيا. والآن تأتي النتيجة بشكل معاكس بفضل الصين التي تملك القوة العسكرية والقوة التجارية عكس روسيا التي تمتلك فقط القوة العسكرية وضعيفة تجاريا.

إن هذه الاتفاقية بقدر ما تحمي إيران وتضرب مخططات واشنطن تجاه هذا البلد، تمنح للصين القفزة النوعية نحو تحولها الى قوة عظمى حقيقية، إنها حلقة غير عادية في مسار "العصر الصيني”.

فشل الاستخبارات الأميركية

تأتي هذه الاتفاقية والولايات المتحدة على أبواب الانتخابات الرئاسية المرتقبة خلال تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، مما سيجعل تأثيرها حقيقيا في تقييم أداء الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي رفع شعار مواجهة الصين، وإذا بها تصبح أكثر قوة في عهده بسبب سياسته غير العقلانية مثل انسحابه من الاتفاق النووي السداسي. ولكن الضربة الحقيقية هي التي تلقاها مركب الاستخبارات الأميركية بكل فروعه وهيئاته من "سي أي إيه” المدنية إلى "ي أي إي” العسكرية. إذ يتساءل الكثيرون، كيف لم تتكهن هذه الاستخبارات التي تتوفر على آلاف المحللين في التكهن باتفاقية جيوسياسية من هذا النوع تتعد حلقة قوية في مسار "العصر الصيني”؟



اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: